صاحبي قلق على ما يحدث من تطورات في الشمال السوري فسألني :«هل ستنسحب القوات الأميركية فعلا، ومتى، وماذا تريد تركيا من تغلغلها في الشمال؟
لم استطع الإجابة على هذه التساؤلات لأن ليس لدي معلومات، ولكن في النهاية لدي قراءة متفائلة للمشهد رغم مستجداته، كما لدي قناعاتي، أنا اتوقع أن سوريا ستبقى موحدة شعبا وارضا وانها ستخرج منتصرة في النهاية بصمودها ودحرها هذا العدوان متعدد الجنسيات، أو الأصح هذه الحرب الكونية المصغرة.
بالنسبة لقرار ترمب وإصراره على سحب قواته من الشمال السوري، فهو يريدها، ان صدق، مجرد عملية إعادة انتشار في المنطقة، لأن في حال انسحابه من سوريا، فهو لا يريد الانسحاب من العراق لأنه على قناعة بأن للولايات المتحدة كل الحق في امتلاك النفط العراقي، على الرغم من نفي مصادر عراقية لوجود قواعد أميركية في بلاد الرافدين.
الحقيقة الاخرى التي يجب أن لا نتجاهلها، هي أن لا أحد يستطيع الرهان على ثبات الرئيس الأميركي على قرار ما، فهو قادر على » لحس كلامه » والتراجع بسرعة، لأنه اسير فكر التاجر، يبيع ويشتري، على قاعدة » القرارات التي تصدر لا يمكن ردها بل يمكن استبدالها خلال 24 ساعة » لذلك لا يمكن البناء على قراراته أبدا.
مواقف الرئيس ترمب تذكرني بفيلم اميركي مثّل بطولته آل باتشينو بعنوان «سيمون»، وهو عبارة عن ابتكار الوهم وتسويقه بعد اقناع الناس بانه الحقيقة، وهذا هو الرئيس الأميركي يبيع الأوهام التي يختلقها ويصدقها وحده، لأنه لا يملك القدرة على الاقناع، وهو بذلك جعل أميركا «فرجة» وحوّل البيت الأبيض الى » صندوق عجائب »، حتى بالنسبة الى قراراته الداخلية، مثل موقفه الكيدي من الكونغرس، واصراره على الاغلاق الحكومي الفدرالي الجزئي الذي عطّل الكثير من الخدمات، وهو أطول إغلاق في تاريخ الولايات المتحدة، بعد تجاوزه مدة الاغلاق الحكومي في عهد كلينتون التي استغرقت 21 يوما في العام 1996.
لذلك لا نستبعد اتخاذ قرارات جديدة بالنسبة لتواجد القوات الأميركية في شمال سوريا، كما انه من الممكن أن ينسحب ويتخلى عن حماية الأكراد لصالح الشراكة مع اردوغان، ولكن في النهاية سيضطر الى الانسحاب بارادته أو رغما عنه، لأن لديه من المشكلات والازمات الداخلية والخارجية ما يكفيه.
واذا كان تواحد القوات الأميركية في الشمال السوري بحجة محاربة الارهاب وحماية الأكراد، فالتواجد العسكري التركي في الشمال جاء تحت عنوان محاربة الأرهاب وملاحقة المسلحين الأكراد، ومن هنا تتاقطع المصالحة بين الحليفين، فلكل منهما أهدافه ومصالحه الخاصة غير المعلنة، وربما التقت حول هدف واحد هو تفكيك الدولة وتقسيم سوريا.
نحن نعرف أن الأميركيين لهم مشروعهم المشبوه الذي يصب في مصلحة اسرائيل وخطتها التوسعية، كذلك الأتراك لديهم مشروعهم التوسعي التاريخي في الشمال السوري، وقد تتم صفقة بين الطرفين من حيث التقاسم، ولكن في النهاية يجب أن يعترف الجميع بأن صمود سوريا الدولة والشعب والجيش احبط وافشل كل المخططات، وسوريا ستظل الدولة الموحدة العصية على التقسيم.