ليست زيارة اعتيادية تلك التي قام بها جلالة الملك عبدالله الثاني للعراق، هكذا يرى العراقيون الرسميون الزيارة، فهي زيارة تاريخية وعنوان لمرحلة جديدة في العلاقة الأردنية العراقية، لا بل يذهب رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي إلى اعتبار الزيارة الملكية شهادة على أن العراق بدأ مرحلة جديدة والعراقيون فخورون بها.
على الجانب الأردني يبدو المشهد هادئاً ولكن هذا الهدوء يغلف دلالات صاخبة أيضاً، فرئيس الوزراء العراقي هو ابن عبد المهدي المنتفكي الوزير الذي حمل أكثر من حقيبة وزارية في الحكومات العراقية المتعاقبة زمن الملكية الهاشمية في العراق منذ عام 1926 حتى عام 1942، والذي وصل كنائب في البرلمان العراقي خلال تلك الحقبة ست مرات، ومن ثم اختاره الملك عيناً في مجلس الأعيان، ورئيس الوزراء العراقي نفسه عضو في المجلس الإسلامي الأعلى، وهو أبرز التجمعات السياسية العراقية اليوم، وله علاقات تاريخية تربطه مع الأردن منذ ثمانينيات القرن الماضي.
الزيارة الملكية للعراق تأتي في توقيت غاية في الحساسية، فاليوم ترى إيران أن العراق إحدى مناطق نفوذها الإقليمي ويشكل حجر الزاوية لمشروعها السياسي في المنطقة، والدول العربية الخليجية تتمنى أن يكون العراق في صفها في مواجهتها مع إيران، وأن تضمن أنه لن يكون حدوداً إضافية مع إيران تستفيد منه الأخيرة لإثارة القلق الخليجي، وبالطبع تأمل الدول الغربية، وتحديداً الولايات المتحدة، ابتعاد العراق عن إيران.
الأردن الرسمي يراهن اليوم على عمق العلاقات التاريخية مع العراق، مع إيجاد إدراك موحد من قبل الطرفين لأهمية العلاقة القوية بين الأردن والعراق، فكما يصف الخبراء شكل العلاقة دائماً بأن العراق رئة الأردن كما يعد الأردن رئة العراق.
على المستوى الاقتصادي تبدو الزيارة واعدة، فالمشروع الاستراتيجي العراقي الأردني بمد أنبوب نفط من البصرة حتى العقبة مشروع ضروري وحيوي لكلا الدولتين، فالعراق يقلل بذلك آثار أي إغلاق لمضيق هرمز ويساعده للهروب من القبضة الإيرانية، والأردن يستطيع توفير احتياجاته النفطية اليومية بصورة شبه مجانية. وعلى أهمية هذا المشروع إلا أن وجود تبادل مفتوح تجارياً بصورة يومية واعتيادية هو الأكثر أهمية للاقتصاد الوطني الأردني، فهذا النشاط الاقتصادي اليومي يعيد الحياة لآلاف الأسر الأردنية، ويفتح مجالاً حقيقياً لامتصاص البطالة، ويحرك السوق الأردني الداخلي على مختلف المستويات.
وجود الملك عبدالله الثاني في قلب بغداد رسالة لها دلالاتها السياسية أيضاً، فعشر سنوات من عدم زيارة العراق وإنهائها اليوم يعني أن الأردن الرسمي يرى تحولاً مؤثراً في المعطيات السياسية العراقية ساعد على توفير الظروف لهذه الزيارة.
فالأردن الرسمي يريد أن يقول للعراق أن يلتفت مرى أخرى إلى محيطه العربي القادر على احتضانه، وأن يستعيد دوره التاريخي ضمن مشروع النهوض العربي، والأردن جاهز دائماً لمد يد المساعدة لاستعادة العراق لحضوره المؤثر عربياً.
في القراءة المجملة لزيارة جلالة الملك لبغداد يمكن القول إن جلالته يتحرك حيث يرى أن المصلحة الأردنية العليا تتطلب ذلك، وأن الأردن هو سيد قراره في بناء العلاقات وتطويرها دون الاحتكام لقراءات الآخرين، ولكن على الجميع إدراك أن هذه الزيارة لا تأتي من باب تنويع الخيارات الأردنية أو إمكانية الاستفادة من العراق كي يكون جسراً لعلاقة نوعية بين الأردن وإيران، فالأردن حسم خياراته فيما يتعلق بموقفه من المشروعات الإقليمية للوطن العربي، ويرى الأردن أن العرب هم أحق بأن يملكوا مشروعاً عروبياً خالصاً يحترم مكونات الحالة العروبية، لا أن تكون الدول العربية مناطق نفوذ لأصحاب المشروعات الإقليمية.
نعم بدأ الأردن مرحلة جديدة مع العراق الجديد، ولكن ما زالت الطريق ممتدة للوصول إلى حالة الثقة المتبادلة والتوافق الحقيقي على مشروع سياسي واقتصادي مشترك بين الدولتين.