سوريا ما بعد الانسحاب الأميركي

تاريخ النشر : الأحد 11:15 13-1-2019
حسن أبو هنية

خلق قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الانسحاب من سوريا وضعية جديدة ومعضلات عديدة حول مستقبل سوريا ومنظورات الحل النهائي،فقد ابتهج النظام السوري وحلفاؤه الروس والإيرانيون بإعلان الانسحاب، واعتبرته تركيا نقطة تحول في العلاقة مع أمريكا ونهاية لما تطلق عليه الكيان والممر الإرهابي الكردي، وقد سارعت دول عربية لعقد مصالحة مع بشار الأسد،وبدأت جامعة الدول العربية البحث عن سبل إعادة سوريا إلى الحظيرة العربية، ولم يجد الأكراد حلفاء أميركا بديلاً عن العودة إلى حضن النظام ومغازلة الروس خشية من غزو تركي مرتقب، وأعادت الجماعات الجهادية رص صفوفها في إدلب لخلط اتفاقات أستانا وسوتشي،بينما نشطت إسرائيل في محاولة احتواء الأضرار المحتملة.

في هذا السياق أكد قرار الانسحاب الأميركي هامشية الدور الأميركي في سوريا، وفعالية نفوذ فريق «أستانة» الثلاثي الذي يضم روسيا وتركيا وإيران وتحكمهم برسم الخطوط الرئيسية لمستقبل سوريا، حبث قال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في 29 ديسمبر الماضي بأن وزراء الخارجية والدفاع من روسيا وتركيا ناقشوا التنسيق بين قوات بلديهما في سوريا بعد قرار الولايات المتحدة سحب قواتها من البلاد، ورغم التنسيق والتفاهم الروسي التركي، إلا أن ثمة خلافات بين الطرفين سوف تبدأ بالظهور والتفاقم خصوصا في شمال سوريا، فسرعان ما برزت خطوط الاشتباكات والرهانات سريعا عبر لعبة القوميات والجماعات، فروسيا وإيران المتذرعتان بالسيادة السورية وشرعية الأسد سارعتا إلى إعادة التلاعب بالورقة الكردية، حيث قامت قوات حماية الشعب الكردية بدعوة القوات السورية لدخول منطقة منبج لردع تركيا، ودفعها للتفكير مليًا قبل اتخاذ أي إجراء ضد الأكراد، وفي ذات الوقت بعثت تركيا برسالة من خلال حرب الجماعات العربية السنية، في محاولة لإعادة رسم الخطوط الحمراء وفق لعبة الجماعات «الإرهابية»، حيث قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إن تركيا وروسيا لهما هدف مشترك وهو تطهير سوريا من التنظيمات الإرهابية، وهي الثيمة التي يتمسك بها الطرفان.

لا شك أن قرار الانسحاب الأميركي كان مفاجئا في توقيته، لكنه كان متوقعا فالولايات المتحدة لا تتوافر على أهداف استراتيجية حيوية في سوريا، وحسب مجلة «إيكونوميست» ربما يكون ترمب يسير على خطى أوباما دون أن يدرك، خاصة في رغبته في الحد من تورط أميركا في الشرق الأوسط، حيث عانى الرؤساء من الكثير من الإخفاقات. وفيما يتعلق بسوريا، يقول ترمب بوضوح ما قاله أوباما من قبل: «لا توجد لأمريكا مصالح حيوية هناك».

ويعلق فيليب جوردون من مجلس الشؤون الخارجية -الذي كان مسؤولاً عن سياسة أمريكا في الشرق الأوسط في إدارة أوباما- على ذلك بالقول: «هناك الكثير من التشابه بين سياستي ترمب وأوباما: نحن لا نملك الأجوبة على المشاكل المعقدة في الشرق الأوسط، ولا نرغب في خوض حرب كبرى لمحاولة حلها» ومع ذلك، يقول إن العملية الأمريكية في سوريا صغيرة نسبيًا، وأن طريقة ترمب المتهورة تسببت في الكثير من الضرر.

يمهد انسحاب الولايات المتحدة من سوريا خطوة مهمة على طريق الحل في سوريا، حيث تصبح عقدة شمال سوريا أقل تعقبدا، فخيارات الأكراد باتت أكثر واقعية بانتظار تفاهمات تركية روسية، فقادة قوات سوريا الديمقراطية التي كانت مدعومة أمريكيا كانوا قد أبدوا استعدادهم ليصبحوا جزء من الجيش السوري، لكن من الواضح أنهم لا يفكرون في دمج مباشرحسب حايد حايد، فهم ينادون بنظام فيدرالي يمارسون بموجبه درجة كبيرة من الاستقلالية الفعلية في المناطق ذات الأغلبية الكردية التي يسيطرون عليها، وستعمل هذه القوات على غرار جيرانهم البيشمركة في إقليم كردستان العراق، وهي جماعة تتمتع بحكم ذاتي كامل تموله بغداد، ويعد نظريا جزء من القوات المسلحة العراقية.

تتمثل العقدة الكبرى في التعامل مع إدلب التي باتت تسيطر عليها هيئة تحرير الشام بالكامل بعد دخولها في معاركمع فصائل الجبهة الوطنية المدعومة من تركيا، فعقب معارك بين الهيئة والجبهة استمرت تسعة أيام، تم التوصل إلى اتفاق على وقف إطلاق النار، في 10 ينايرالماضي، ونص الاتفاق على «تبعية جميع المناطق» في محافظة إدلب ومحيطها لـ"حكومة الإنقاذ» التي أقامتها هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) في المنطقة، ولم يكن تقدمهيئة تحرير الشام بمعزل عن رؤية تركيا للوقائع الجديدة، فأنقرة لا ترغب ابلتورط في الصراع في إدلب، لأن قضيتها المركزية هي المسألة الكردية، وتمثل هيئة تحرير الشام ورقة مفيدة للأتراك في الوقت الحالي، فتركيا تبعث رسالة واضحة إلى روسيا وإيران والنظام السوري أنها تملك خيوط اللعبة في إدلب، وتمهد لإعادة التفاهم حول شمال سوريا وفق صفقة متكاملة.

يمكن القول أن روسيا باتت اللاعب الأهم في سوريا، وقد رسخت نفسها كقوة توازن تخطب ودها كافة الأطراف، فالأطراف العربية التي دعمت المعارضة على مدى سنوات الأزمة تأمل من روسيا الحد من النفوذ الإيراني من خلال إعادة العلاقات الدبلوماسية مع نظام، وفي المقابل تحاول إيران ملء الفراغ الذي تركته أمريكا في سوريا من خلال نفوذها في العراق دون الصدام مع روسياحتى تتمكن استكمال مشروعها الطموح في بلاد الشام، وفي واقع الأمر عملت موسكو عمليا كقوة جوية لـ «المحور الشيعي»، بينما تعمل إسرائيل على مزيد من التقارب مع روسيا لكبح جماح إيران ومليشياتها.

خلاصة القول أن سيناريوهات حل الأزمة السورية بدت أكثر وضوحا بعد الانسحاب الأمريكي، حيث يجري التعامل مع سوريا كدولة طبيعية في المنطقة، وسوف يسمح الانسحاب الأمريكي البطيء بالبحث عن حلول عملية واقعية مع معضلات الشمال السوري التي تتمثل بالأكراد والمعارضة العربية، ومن المرجح أن يفضي الوضع الجديد إلى تفاهمات واتفاقات عملية بين روسيا وتركيا، وتبدو خطوط المشهد في شمال سوريا تشير إلى خلق واقع جديد يضمن مصالح الأتراك والروس ويؤدي في النهاية إلى تفاهمات لإعاد تأهيل أو التخلص في النهاية من المنظمات والجماعات المصنفة كحركات إرهابية، كما هو حال وحدات حماية الشعب الكردية باعتبارها منظمة إرهابية ترتبط بحزب العمال الكردستاني، وهو ذات المصير الذي ينتظر هيئة تحرير الشام باعبارها جماعة إرهابية ترتبط بتنظيم القاعدة، لكن السؤال كيف ستتعامل هذه المنظمات مع أي تفاهمات تركية روسية مرتقبة، وهل ستتبع نهجا براغماتيا طبع سلوكها دوما، أم أنها ستلجأ إلى مزيد من المقاومة والردكلة بطرائق أخرى؟، ذلك هو تحدي الاستقرار في سوريا ما بعد الانسحاب الأمريكي.

[email protected]

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }