فكرة العفو عن مرتكبي الأفعال الجرمية فكرة قديمة وقد بدأت عرفا وانتهت تشريعا، وهي تعبر عن الوجه الطيب للإنسان، وللسلطة الحاكمة على مدار مراحل التطور المجتمعي، وفلسفة العفو العام تهدف لتعزيز معنى التسامح وتجذير السلم المجتمعي وإعادة تأهيل الجانحين للتصالح مع أنفسهم ومع الآخرين وإعطائهم الفرصة للمشاركة الإيجابية وبنفس الوقت التخفيف على الفئات الشعبية المثقلة ذمتها بالتزامات مالية للخزينة لا سيما عندما يمر المجتمع في ضائقة اقتصادية كالتي نعيشها.
على ضوء ما تم تناقله عن مشروع قانون العفو العام الأردني الذي أصبح ملك يمين السلطة التشريعية فلربما من المفيد أن نذكر الملاحظات التالية :
1-ان الحكومة بقيت تخوض في نقاشات ترصد بين الحاجة والفوائد الى اصدار قانون عفو عام او التريث او عدم إصداره حتى جاء التوجيه الملكي بالإسراع في إصداره وان يؤدي الى التخفيف عن كاهل المواطنين وإعطاء المخطئ فرصة أخرى للتوبة والانخراط في المجتمع كعنصر بناءٍ لا هدّام. وهذه الفكرة هي التي يجب ان تكون بوصلة القانون.
2-قانون العفو العام يجب ان يكون اسماً على مسمى وان يعكس مفهوم العفو من أوسع ابوابه وقد عبّر ( نقيب المحامين الحالي والأسبق ) عن رأي القانونيين بالمشروع ان العفو كان استثناء والاستثناء كان عاماً.
وإن كرم وتسامح الحكومة لم يكن حاتمياً ولا طائياً فحتى مخالفات السرعة لم تنجُ من مشروع قانون استثناء العفو. فما المقصود من التخفيف على الناس الذين لا يملكون ترخيص سياراتهم لضيق ذات اليد التي جاءت في جوهر خطاب الملك.
3-التوسع بنطاق العفو ينطوي على فائدة مالية تصب في مصلحة الخزينة العامة على ضوء ما آلت إليه السجون من اكتظاظ يعرقل فلسفة فرض العقوبة التي لم تعد للتشفي والانتقام بل أصبحت للإصلاح والتأهيل كما ان الافراج عن الآلاف سيخلق وفراً مالياً مفيداً بعد ان بلغت تكلفة رعاية السجناء اكثر من 90 مليون دينار سنوياً.
4-الادعاء والدفاع عن صيغة القانون قبل احالته الى المجلس التشريعي والقول ان الحق الشخصي لا يسقط هي بديهية لا حاجة لتكرارها، فهذا معروف لغير القانونيين، فالعقوبة على جريمة إعطاء شيك لا يقابله رصيد تسقط ولكن لا يمكن ان يعفى محرر الشيك من المبلغ، وعقوبة المتسبب بالوفاة تسقط ولكن لا يمكن اعفاؤه من التعويض او الديّة الشرعية والأولى ان يتم الاعفاء مباشرة إذا كان التسبب ناتجا عن الإهمال ومخالفة القوانين وليس ناتجاً عن قصد.
5-في قوانين العفو العام السابقة ، تضمن احدها استفادة المستثنيين من بعض مزايا العفو، وهو ما هو معمول به في كثير من الدول بحيث ان قانون العفو وان لم يصل الى حد الافراج عن المحكوم عليه بالسجن الا انه يستفيد من تخفيف العقوبة ومثال ذلك يستفيد المحكوم عليه بالإعدام بأن يتم تخفيف عقوبته الى السجن المؤبد، او تخفيض المحكوم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات بتخفيفها الى مدة ثلاث سنوات وهذا يخفف من غلواء الحقد والضغينة لدى المحكومين وذويهم المدانين بجرائم شملها الاستثناء.
6-يعاني المجتمع الأردني حالة من الاحتقان والتبرم والغضب بسبب الظروف الاقتصادية والمعيشية التي يعاني منها الأمرّين وعليه فإن التخفيف عن كاهل شريحة الفقراء والطلبة الجامعيين والعاطلين عن العمل واعفاءهم من الغرامات المالية التي تفرضها الدولة على مخالفات السير وغرامات ضرائب المسقفات وغرامات التأخير على دفع المستحقات المالية يجب ان يكون على راس اجندة الغايات والأسباب الموجبة للقانون وهدف هيئات التشريع التي يجب ان لا تستمع لمبررات تيار سلطة الجباية والتوسع في التغريم.
7-بنفس الوقت الذي ندعو فيه الى توسيع قاعدة الاعفاء، فإن العدالة تقتضي ان لا نتسامح مع مرتكبي الجرائم الخطيرة والتي تمس كرامة المجتمع، وكثير من فئات الجرائم المستثناة كما بررها رئيس ديوان التشريع صحيحة ، ونزيد عليها ان لا يتم الإضافة اليها فئات المجرمين المدانين الذين تجري محاكمتهم بجرائم العرض والشرف كجرائم الاغتصاب وهتك العرض والفجور.
8-يعلق المحكوم عليهم واسرهم وشرائح المجتمع وطبقاته الفقيرة والمتوسطة التي تعاني من الظروف الاقتصادية والاجتماعية المتردية الآمال على مجلس النواب للخروج بقانون للعفو العام يترجم معاني الصفح والرحمة والتضامن والتخفيف على الناس من وطأة الغرامات والرسوم والضرائب التي تزيد من جرعة الاحتقان والإحباط..
mababneh2012@yahoo.com
«قانون العفو العام المطلوب»
11:00 5-1-2019
آخر تعديل :
السبت