أثار قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الانسحاب من سوريا عاصفة من الانتقادات حول السياسات الأميركية المتعلقة بمنع الإرهاب، وهي سياسات تسير على هديها معظم دول العالم ويهيمن عليها نموذجان؛ وهما: نموذج الحرب ونموذج العدالة الجنائية، ويتفق النموذجان في اعتمادهما على احتكار الدولة لاستخدام العنف، حيث تتحمل الشرطة المسؤولية الرئيسية في نموذج العدالة الجنائية بمشاركة من المحاكم والسجون، ويتحمل الجيش المسؤولية الرئيسية في نموذج الحرب، وإذا كانت السياسات الأميركية المتبعة في مكافحة ومنع الإرهاب تخضع للنقاش والانتقاد والمراجعة والتقييم من لدن مراكز الدراسات والوكالات والخبراء، فإن مراجعة وتقييم السياسات المتعلقة بالإرهاب في العالم الثالث تعتبر من التابوهات والمحرمات.
لا تملك الولايات المتحدة استراتيجيةً شاملة في ما يخص الإرهاب، تلك هي خلاصة تقييم وليام برانيف المدير التنفيذي لـ»الائتلاف الوطني لدراسة الإرهاب والتصدي للإرهاب» وأستاذ في جامعة ميريلاند، فخلال السنوات الست عشرة منذ اعتداءات 11 سبتمبر 2001، حسب برانيف عوّلت الولايات المتحدة على نظامها للعدالة الجنائية والمجتمعات العسكرية، متسلحةً بجهاز استخباري أكبر وأفضل، من أجل عرقلة أخصامها الإرهابيين والحؤول دون حصول اعتداء كبير آخر. غير أنه في خضم ذلك، وصل الإرهاب العالمي إلى أعلى مستوياته التاريخية، وتُعتبر أدوات مكافحة الإرهاب التقليدية ضرورية، لكن يبدو أنها غير كافية لجهة الحدّ من عنف الإرهابيين وتداعياته السياسية المضرة مع مرور الوقت، ذلك أن عدم كفاية مكافحة الإرهاب التقليدية وانعدام زخم مكافحة التطرف العنيف، ترتبط مباشرةً بتقدير غير ملائم لطبيعة الإرهاب الجوهرية، فالإرهاب هو في الأساس شكل من أشكال السياسة العنيفة.
اختلالات السياسات الأميركية في حرب الإرهاب مسألة عابرة للإدارات ولا تقتصر على الرئيس الأميركي الحالي ترمب، فمنذ أن دشنت الولايات المتحدة الأميركية سياسة «الحرب على الإرهاب» عقب هجمات تنظيم القاعدة على نيويورك وواشنطن كان الهدف المعلن يتمثل بالقضاء على تنظيم القاعدة وهزيمة الحركات الجهادية المساندة العابرة للحدود، حيث أعلن الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الإبن مرارا هزيمة الإرهاب والقضاء عليه، وكذلك فعل خلفه الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، وسرعان ما تكشفت نتائج الحرب على الإرهاب عن فشل ذريع، إذ لم تسفر جهود الحرب عن حرمان الإرهابيين المفترضين من ملاذات آمنة وحصارهم وتجفيف مصادر تمويلهم وتدمير إيديولوجيتهم الخطابية ودعايتهم الإلكترونية، وقد بدا ذلك واضحا مع تخبط قرارات الانسحاب من أفغانستان وهو البلد الذي شهد أولى غزوات حرب الإرهاب نهاية 2001.
فاليوم تبدو عودة حركة طالبان وحلفائها من التنظيمات الجهادية والقاعدة مسألة وقت لا أكثر، كما أن نتائج غزو العراق 2003، تحت ذريعة «الحرب على الإرهاب»، ثم قرار الانسحاب 2011، بدت كارثية، مع سرعة صعود تنظيم «الدولة الإسلامية»، وإذا كانت قرارات الانسحاب من أفغانستان والعراق بالأمس تمتعت بنوع من إدعاءات النصر وهزيمة الإرهاب دون جدل كبير، فإن قرار ترمب الانسحاب من سوريا وادعاء هزيمة الإرهاب لا يتمتع بالقبول ويوصف بالكارثي حتى من قبل أقرب مستشاريه.
لا تتطلب البرهنة على اختلال منظورات ترمب حول الإرهاب وقرار الانسحاب جهدا كبيرا، فالأدلة والشواهد العملية تدعم المخاوف التي عبّر عنها مستشارو ترمب،فالأمم المتحدة كانت قد نشرت تقريراً مطلع العام الحالي أشارت في إلى أنه ما زال لدى تنظيم «الدولة الإسلامية»قرابة 20 -30 ألف مقاتل في العراق وسوريا، وفي 19 ديسمبر الماضي، قدّر متحدث باسم التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد التنظيم، الكولونيل شون ج. ريان، أن الجماعة لا تزال تملك بين 2000 و2500 مقاتل في منطقة هجين وحدها في سوريا، ويُذكّر قرار الرئيس الأميركي بإعلان النصر في سوريا وسحب القوات الأميركية الأخطاء التي ارتكبها الرئيسان السابقان بوش وأوباما حسب ماثيو ليفيت و هارون ي. زيلين في مقالتهما المعنونة بـ»مهمة غير مُنجزة».
كان مجلس الأمن قد أشار إلى اختلال وقصور جهود منع الإرهاب في قراره 2178 الصادر عام 2014 حيث شدد على الصلة بين التطرف العنيف والإرهاب، وأكد على أهمية تماشي التدابير المتخذة مع القواعد الدولية، ويسلّم بضرورة المنع، ذلك أن «التطرف العنيف الذي يمكن أن يفضي إلى الإرهاب» يتطلب بذل جهود جماعية، «بما في ذلك منع نشر الفكر المتطرف بين الأفراد وتجنيدهم وتعبئتهم لينضموا إلى الجماعات الإرهابية والمقاتلين الإرهابيين الأجانب». ويؤكد على أن ثمة حاجة إلى اتباع نهج أكثر شمولا لا يقتصر على التدابير الأمنية الأساسية المتخذة حاليا لمكافحة الإرهاب.
يشير نائب مدير «برنامج التطرف» في جامعة جورج واشنطن سيموس هيوز إلى أن مكافحة التطرف العنيف أصبحت مستحيلة على المستوى الفيدرالي، ففي حين اضطلعت إدارة ترمب بدور في القضاء على مكافحة التطرف العنيف، تقع هذه المسؤولية على عاتق عدد من الجهات الفاعلة. ففي أوائل عهد إدارة أوباما، على سبيل المثال، أوقف الرئيس برامج مكافحة التطرف العنيف، واستغرق إطلاق استراتيجية وطنية لـ»تمكين الشركاء المحليين من منع التطرف العنيف في الولايات المتحدة» سنتين. والآن، تجد إدارة ترمب نفسها في وضع مشابه، حيث أنها أوقفت برامج مكافحة التطرف العنيف وتفتقر عمومًا إلى كافة أنواع تنسيق الجهود الرامية إلى مكافحة التطرف العنيف على المستوى الفيدرالي، ويؤكد هيوز أن على الحكومة الفيدرالية الانخراط في مسألة مراقبة الجودة، وتشجيع أفضل الممارسات لإشراك المجتمع ودعم التعاون بين المسؤولين على مستوى الولايات والمستوى المحلي.
خلاصة القول أن السياسات الأميركية في مجال منع الإرهاب تفتقر إلى استراتيجية تكاملية شمولية، وهي تتسم بالتشوش والتناقض والاضطراب، وهي معضلة عابرة للإدارات، ذلك أن السياسات والاستراتيجيات المتبعة في حرب الإرهاب تنطوي على فشل بنيوي، لأسباب سياسية وبواعث عملية، بدءا من تعريف الإرهاب مرورا بأسباب ظهوره وشروط وجوده وصولا إلى طرائق مكافحته ومنعه، وللمفارقة فإننا نشهد بعد كل إعلان عن هزيمة الإرهاب والقضاء عليه ولادة نسخ أكثر خطورة وأوسع انتشارا وأشد عنفا، ولا يبدو أن التلاعب اللغوي وتغيير المصطلحات لا ينعكس على السياسات، فاستخدام مصطلح «منع الإرهاب» لوصف جهود مكافحة التطرف العنيف لا ينطوي على تغيرات أساسية.