التطورات التي حدثت وتحدث في سوريا بهذه المرحلة الزمنية الراهنة يبعث على الارتياح، ويحتاج الى وقفة لمعرفة بعض التفاصيل المفصلية. بدأ الانعطاف منذ افتتاح معبر (جابر - نصيب)، وبعدها بدأ الحراك السياسي العربي والاقليمي والدولي باتجاه دمشق، وهو التحرك الايجابي الذي فرضته النتائج الميدانية على الارض بالحسم العسكري ودحر كل التنظيمات المتطرفة الارهابية باتجاه الشمال، بانتظار انهاء المهمة واعلان النصر الكامل.
بدأت المسيرة السياسية المتسارعة بتطوراتها العملية الجادة، منذ أعلن الرئيس ترمب قرارالانسحاب العسكري وانهاء احتلال مواقع في سوريا، ثم زيارة الرئيس السوداني عمر البشير، وبعدها اعادة افتتاح سفارة الامارات العربية التي فتحت الأبواب امام عودة الدبلوماسية العربية الى دمشق، بعد قطيعة دامت أكثر من سبعة أعوام ، تلتها مملكة البحرين التي اعلنت استئناف عمل سفارتها في العاصمة السورية، واعتقد أن دول دولا عربية اخرى على الطريق، وأن الدعوة لتفعيل دورسوريا داخل الجامعة العربية اصبحت واقعا، وان كنت ارى أن على الجامعة المذكورة أن تعتذرلسوريا وشعبها على قرارها غير المقبول.
كلنا نعرف أن الوجود العسكري الاميركي اللاشرعي في الشمال اعاق زحف الجيش السوري، وعرقل عملية تحرير ما تبقى من الاراضي السورية التي سيطرت عليها التنظيمات الارهابية بحماية اميركية فرنسية. لكن اليوم، وبعد اعلان الرئيس ترمب قرار الانسحاب، واصراره على الانسحاب، وبصفقة غير معلنة مع انقرة، اعتقد أن الطريق أصبحت سالكة أمام الجيش السوري لانهاء مهمته في الشمال حتى الحدود السورية مع تركيا، وهي العملية التي تنتزع من انقرة حجتها الواهية بانها تتوغل في الاراضي السورية من أجل أمنها وحماية حدودها.
وقد تكون عملية دخول منبج بلا قتال بداية جيدة، ألا اذا كان للرئيس التركي اردوغان اهدافه ومآربه الاخرى، واطماع في التوسع خارج حدود بلاده، بحيث يفتعل صداما مع الجيش السوري. ولكن من المرجح ان تتوصل موسكو وطهران، من خلال المفاوضات المتواصلة مع تركيا الى حالة من التوافق على حل سياسي لكل المشكلات ألأمنية يجنبها الاشباك مع الجيش السوري، ويشمل ذلك أمن الحدود السورية التركية المشتركة التي كانت في يوم مضى مشرعة أمام طوفان المسلحين الارهابيين الذين تسللوا الى داخل سوريا ومارسوا كل اشكال العنف والفوضى والتخريب.
الحقيقة أن ما حدث في سوريا من صمود الجيش والشعب والدولة أفشل مشروع التفكيك والتقسيم الأميركي - الاسرائيلي تحت عنوان «الشرق الاوسط الجديد «، كما اسقط مشروع صفقة القرن، وبالتالي غير مجرى التاريخ في المنطقة، لذلك نقول أن ما حدث في سوريا يشكل حدا فاصلا بين تاريخين.
اليوم تدخل سوريا العام الجديد وهي تستعيد روحها وتلم شمل شعبها كما حافظت على وحدة اراضيها، وبدأت تستعيد دورها العربي والاقليمي والدولي، بفضل صمودها الذي تعمّد بالدم نتيجة حرب كونية مصغرة دارت فوق اراضيها، وهي الحرب الظالمة المهزومة التي عجزت عن كسر ارادتها أو اضعاف روح شعبها، الذي من حقه وحده أن صياغة المستقبل السوري.