يقوم الحُكم الدُّنيويّ على قاعدتيّ الخوف والطّمع.
ولا يخرج عنهُنّ فعلٌ من أفعال البشر سلباً أو إيجاباً من حيث الدّافع، وبينما كان الملك وما يزال يبثُّ الأمل بغدٍ أفضل ويحفِّزُ الجميع لإستنهاض الهِمم نحو الطّمع المشروع في هذا، سَلَكَت بعض حكومات ومؤسّسات الطريق الأكثر سهولةً عبر إشاعة الخوف سبيلاً للسيطرة والتّسكين، تارةً بالمخاوف الإقتصاديّة وانعكاساتها وتارةً أُخرى بالأحداث السياسية المحيطة وخطر إستجلابها، ولم تُدقّق في مرتكزات الخطاب الملكيّ ومفرداته المعاكسة تماماً لهذا النّهج السّلبيّ.
كما أخطأ رسميّون بإستخدام فكرة «المؤامرة» في أوقاتٍ ومناسباتٍ وإن كانت صحيحة إلّا أنها استفزّت الشّعب المُتعطِّش لسماع ما يبعثُ على الأمل.
مع ضرورة إدراك صحّة وواقعية الطّرح إذ يشهد التّاريخ السّياسي أنّه ما مِن دولة حول العالم لا تحفّها المطامع، فكيف تخلو من ذلك دولةٌ يستند حكمها لشرعيّتين دينية وعروبيّة قامت على أشرف الثّورات في التّاريخ واستطاعت أن تحتلّ موقعاً متقدّماً على الساحات الدوليّة رغم كلِّ التحديات، وبسواعد أبنائها وبناتها بُنيت دولٌ وإرتقت، كما شكّلت مرجعيّةً ورمز وفاقٍ وإتفاقٍ وتجاوز أمنُها شَفيرَها ليحفظ السلام حول العالم وإستطاعت أن تفرض نفسها كنُقطة إنذارٍ إستخباريٍّ مبكِّرٍ لأشقّائها وأصدقائها كما دَفعَت بِعَدُوِّها ليجنح إلى سلمٍ بعد فاصلة الكرامة وستبقى قابضة على جمر صيانة المقدّسات وحفظ الوئام، لكنّ محفّزات البَغضاء تلك لا تُبرِّر السُّبات أو الإخفاق بل هي العناصر الجامعة للأُمّة المُنعشة للهِمم والطّاقات، ورغم كلّ أدوات النجاح أعلاه تعاظَمَت الفوضى الإداريّة فخسر الوطن والمواطن وربحت مرحليّاً أركانُ التيّارين المُتعاكسين سالفيّ الذِّكر في التّشخيصين الأوّل والثّاني.
فالإلتزام المثاليّ لأبناء الوطن وبناته بالقانون خارج أسواره وإبداعهم في الأعمال هناك يستحقّان الوقوف ومعاينة ما يكشفانه من خللٍ مُركّب في نهج الإدارة داخليّاً إذ أدّت المزاجيّة في تطبيق القانون لبعثرة الجهود ووأدٍ للطاقات، وهذا ما أدّى لِخَدش ركن (الثِّقة) بالدولة والذي بات مسيطراً على قناعة الشارع.
إنّ تراجع الثقة منوطٌ بأمرين (الحقوق و الكرامة)، فشعور المواطن بأفضليّةٍ لغيره عليه في المعاملة التي يستحقّ وإستثناءه من الأولويّة في أساسيّات الحقوق بالصحة ومقاعد الدراسة ولدى مراجعة دوائر الدولة «الواسطة» أو عند غياب المعايير الموضوعية للمنافسة لدى التّوظيف أو الترفيع أو النّقل وعند الثواب والعقاب»المحسوبيّة» عناصر هدمٍ وإقصاءٍ وتفتيتٍ للوحدة الوطنيّة، زاد عليها ما يلمس المواطن والموظّف الشّريف من نموٍّ فاحشٍ للثروات لدى فئةٍ من طبقة كبار الموظفين دون مسائلةٍ وكذلك لدى بعض صغارهم ومتوسّطيهم في مواقف أشاعَت جوّاً من الإبتزاز في الوطن لِنَيل حقٍّ مشروع أو دفع إبتلاءٍ غير مُحِقٍّ فُرِض بإسم القانون، وهذا ما تؤكده طرديّةُ العلاقة بين تراجُع أعداد المضبوطين بقضايا الفساد وإنخفاض تصنيف المملكة على المؤشرات العالمية حاليّاً رغم تقدّمها في الإثنتين معاً قبل عقدٍ من الزمان، كما أن منظومة النزاهة لا تعيش إلّا في بيئةٍ يسود فيها القانون بمكافحة الفساد ردعاً وزجراً، فالنّزاهة حالةٌ ( تلقائيّةٌ ) لدى المواطن والمقيم في الدول التي تطبّق القانون بموضوعيّةٍ فيُحتَرم ويُخشى من عقابه، وهذا ما يفسّر كذلك إلتزام المواطن بالضريبة في الدول التي يقيم فيها وتهربه أو إمتعاضه منها في وطنه.
وكان الرابح الوحيد مما سبق مَن ينطبق عليهم وصف فئة ( الولاء الشكليّ المشروط ) بما جرحوه من ثقة أبناء وبنات الوطن وإيمانهم ببلادهم، وهُم الذين أمِنوا العقاب كما أسلفنا سابقاً حيث إستفادوا من تموضعهم في صراع التيارين التقليديّ والمستجدّ، وانسحب ذلك لصغار الموظفين من التابعين بما تأمّن لهم من مظلّاتٍ وفّرها كلُّ تيّارٍ لحواشيه، حتّى تحوّل تغاضي المسؤول عن ذوي القُربى أو تأمين الحماية لهم دون حقٍّ إلى بطولةٍ وشهامةٍ رُغم أنها خيانةٌ لأمانة المسؤوليّة وأبعد ما تكون عن الوطنية بل تطوّرت وتمدّدت لتظهر حراكات مُناهضة لمحاكمة أحدهم أو مجرّد الإشارة إليه بالإتّهام، وسادت بالنتيجة ظاهرة إغتيال الشخصيّة التي لن توقفها قوانين الدُّنيا مالم تعُد الأمور إلى نصابها وتُطهّر الدولة ذاتها بذاتها وتُقصي من قصّر وتجاوز.
خلاصة ما شخّصناه سابقاً والآن، تؤكِّدُ أنّه ما من أبٍ يسعدُ بشكوى أبنائه وبناته، وما من حاكمٍ يرتضي عن سعادة شعبه بديلاً، كما أن حالة البلاد ليست بالمُستعصية بل هي حقاً أزمةُ إدارة وأدوات ليس إلّا، فطالما أن الإرادة الأعلى موجودة لمكافحة الفساد والنهوض بالإقتصاد وكذلك الأدوات متوفّرة علينا ألّا نيأس، فإن كان هناك من يُعذرُ على يأسٍ فهو الملك، ورغم ذلك يبقى جلالته منبع الطاقة والمحفّز والداعم في كلّ الظروف وأصعبها وأوّل مَن يطبّق القانون بموضوعيّةٍ ويبدأ بذاته بإسنادٍ من أشقائه وشقيقاته من أصحاب السُّمو الذين غادروا مواقع المسؤولية في رسالةٍ واضحة المعاني بألّا تمييز حتّى لأبناء الحسين العظيم وأنّ المواطنة الصالحة هي الأساس الجامع،
وتبقى العبرةُ بمن يحملون الأمانة ويُنفِذون القانون.
تسعى الحكومة الحاليّة لترجمة التوجيهات العليا وبثِّ الأمل من جديد، ونسأل الله النجاح في المقصد فالأردنّ الشامخ وشعبه الأبيّ يستحقّون الأفضل والأمثل لكنّ الحكومة وحدها لن تحرز تقدّماً بلا تكاتف وتعاضد.
حفظ الله الأردنّ العظيم بقيادته وشعبه من كلِّ سوء.