كتاب

إفطار على الرصيف وصلاة في العبدلي واب يمارس واجباته

لا زلت أذكر كلام الملك عبدالله الثاني في مقابلة صحفية , بعد قليل على توليه الحكم , «كنت ربا لأسرة صغيرة واليوم أنا رب لعائلة كبيرة « .

صلى الملك صلاة الجمعة في العبدلي وإنضم الى الصفوف الخلفية , دون مرافقين فهو لا يحتاج الى بروتوكول ليكون بين الناس , هذه رسالة , الأهم في موضوع الصلاة يكمن في الرسالة الأكبر , الملك الهاشمي ملك يجمع ولا يفرق , هو لكل الناس ومعهم , ولعلي أجتهد هنا فأقرأ ما بين السطور , أن يصلي الملك يوم الجمعة وبين الناس وعلى بعد خطوات من حراك كان إنعقد في اليوم السابق وفيه شعارات تجاوزت المألوف ومسته شخصيا بلا هدف ولا غاية سوى الإثارة التي بتنا نعشقها بجنون حد التطاول لكسب شعبية , فهم الصغار الذي يتعربشون بأطراف ثوب الكبار كي يظهروا لكن الملك وحده يتحمل ويصبر ويسمح ويعفو , لأنه قرر أن يكون منذ يومه الأول أبا للأسرة الكبيرة , هل رأيت أبا يعاقب أبناءه , بل يحن عليهم ويوجههم ويتحمل أخطاءهم ويصبر عليها ويضمهم الى صدره .

ذهب الملك الى العبدلي كي يصلي حيث مثلث الحكم , مجلس الأمة وقريبا من دار الرئاسة , وفي مسجد مؤسس المملكة وفي عهده صيغ العقد السامي والمقدس بين الهاشميين والأردنيين من شتى الأصول والمنابت من ربوع الشام وفلسطين والأردن والجزيرة العربية .. لا تقولوا لي عقد جديد ولا ما يحزنون , هي العروة الوثقى التي أمسك بها بنو هاشم ودفعوا بها إلينا نمسك بها ونعض عليها بالنواجذ , هذا عقدي معكم , المسجد وكتاب الله وحكمة الهاشميين منذ فجر التاريخ .

ذهب الملك وأسرته الى مطعم ليس صدفة أن يحمل إسم المدينة التي لم ولن يساوم في أمرها هي القدس أيقونة العرب والمسلمين وفي ذلك رسالة , أما حكاية الإفطار بوجبة شعبية وعلى الرصيف فهي رسالة جديرة بأكثر من قراءة , الملك منا من الشعب لكنه ملك له ميزة يتفرد بها دونا عن العالمين وله علينا حق الرفعة والسمو واللقب هنا إستحقاق وليس فضلا والفضل له ولأهله ال البيت و والملك اذ يقرر ان يمارس دوره كمواطن إنما يريد أن يقول للناس ها أنذا مع معاناتكم ومع فرحكم أقف في طابور من أجل وجبة فلافل أتناولها على الرصيف على طبق بلاستيكي أخذها من يد « معلم « الفلافل « ليس معي من يتذوقها سلفا ولا أشعر أن هناك ما يتهددني , أنتم حمايتي يا أيها الناس وأنتم خطوط دفاعي وأنتم سندي وأنا لكم .

وفي الثالثة حوار ليس فيه الا الصراحة والمكاشفة وتبادل الهموم ونافذة واسعة جدا على التفاؤل بالبلد وأبنائه , يطمئننا ويطمئن منا يستمع الى ملاحظاتنا وفيها قسوة وأحيانا تجاوز , ننسى لأنه هو من يجعلنا ننسى , التكاليف والكلفة واداب الكلام مع الملوك , وله اداب وليس قلة أدب لا سمح اله , لأنه هو من جعلنا كذلك فهو البادئ بالصراحة وبالحديث الطري والقوي والخالي من الرسمية , لأنه هو من فرش الثقة فأعتلينا سجادتها بلا تردد .

صافحنا مغادرا بإبتسامته المعهودة وذهب مسرعا نحو الباب , قبل أن يلتفت , ويعود هو لم ينس شيئا لكنه أراد أن يوجه رسالة ننقلها للناس , فإستدار نحونا لنلتف تلقائيا بحب ورضى من حوله , قال الملك ممازحا ,» بس قبل أن أذهب أحببت أن أخبركم أنني سأغادر الى الولايات المتحدة لأيام معدودة , سأمارس واجبي كأب لأسرتي الصغيرة لأرافق إبنتي , واساعدها في الإنتساب الى الجامعة لأنهم يشترطون حضور الأب , إذا بتسمحوا . الملك لا يستأذن لكنه قرر أن يمارس تواضع الإستئذان لأنه أب يخبر عائلته الكبيرة بأن من حقه أن يكون له قسط يلبيه نحو عائلته الصغيرة .

قال منار الدباس المدير والأمين على المكتب السامي معقبا بلطافة على خبرية الملك .و يعني يا سيدي ما رح تكون محجوز في البيت الأبيض .

هذا رد لطيف على شائعات لا تحسن إلا بأن يأكل بعضها بعضا وأن تأكل أصحابها , لكن الرد مغلف بالحكمة إن إستطاعت أن تجد الى الأذان الصماء سبيلا .