كتاب

تشخيص الحالة ( ٢ )

حملت الدولة منذ تأسيسها أوزار أزمات محيطها وتحملت الفاتورة القوميّة والإنسانيّة بالأصالة عن نفسها ونيابةً عن أشقّائها، فعلاوة على موجات اللّجوء الكمية إنحازت للمستضعفين نوعيّاً وغلّبت الإنسانية على مصالحها عند مفاصل عدة، ودفعت في الألفية الثالثة ثمن بعض تلك المواقف القومية والعروبية التي ما زالت تلقي بظلالها على العلاقات الخارجية وإضطُرّت لمغادرة دبلوماسيّتها مؤقتاً في بعض الحالات صيانةً لأمنها القوميّ .

وعاشت الساحة السياسية الأردنية صراعاً عقائدياً محموماً بين أطيافٍ مؤدلجةٍ متنافرة لم تجتمع على بقعة من بقاع الدنيا كما هو الحال في مملكتنا، فبين الإسلامي المعتدل والتكفيري المتشدد والشيوعي والبعثي واليساري والقوميّ والنّضاليّ المسلّح والأعزل لم تجد الهوية السياسية الأردنية موطىء قدمٍ لها، وأمام هذا الكم المتزاحم من النهم السلطوي غير المتجانس كان لا بُد من الحفاظ على حِيدة وقوة المؤسستين العسكرية والأمنية .

كما سعى التيار المستجد إلى شيطنة العشائر وإفراغ رصيد رموزها من المعتدلين لإفقاد التيار الكلاسيكي أرضية تمدّده تحت ذريعة تجديد الوجوه والدماء ككلمة حق يُراد بها باطل، ولم تأتي المحاولات أُكلها إلا حينما أخفق بعض التقليديّين وإستخدموا عشائرهم لصالحهم بأن إظهروا لها أنياباً وجعلوها في مواجهة مع القانون، فظُلِمَت بالمُحصلة من كليهما لكنها بقيت رغم كل المحاولات أحزمة ولاءٍ راسخة حول العرش .

وتبنى كل من الفريقين نغمة»الحقوق المنقوصة» ليعزف بها على الوتر الذي يُشجي الفئة التي يستهدف متى وكيف شاء، وتداعى كلٌّ منهم بطريقته لإظهار حالة التجانس والتوازن كحالةٍ من عدم الرضى ليحسد إبن العشيرة الكبيرة أُخوانه من الأقليات على حظوتهم في قطاعاتٍ بعينها ودَفْعِ الآخِرِين ليشكوا صِغَرَ حجم العينة التي ينافسون عليها ، وبوشر ذات الأمر لحث المُتدين على إنتقاد سماح الدولة بالحُريات وفي ذات الوقت تذَمر أنصار العلمانية من إنتشار دور العبادة وتمسك الدولة بحرمة الشعائر والعديد من الأمثلة التي تُطرح سلباً، والحقيقة أن جميع ما سبق يصلح أن يكون أمثلةً إيجابية مقصودة على الموازنة الموضوعية وحظر إستئثار فئة بالأفضلية أو التميز عن غيرها من حيث الأساس، مع حاجتها للتعميم وإذابة الفوارق والأفضليات المُزكية وفقاً لمعيار المواطنة الموضوعية وتصعيد الكفاءات صوناً للوحدة الوطنية .

وتنبهت الدولة منذ بواكير الملكية الرابعة للمشكلتين الإدارية - الحمولة الوظيفية المتزايدة طردياً - وكذلك الإقتصادية، ودعاها ذلك لتكثيف جهود جلب الإستثمار .

فمنذ عشرين عاما، إستقطب الحراك الملكي من الإستثمار الخارجي ما يكفي لإحياء دولةٍ جرداء شاسعة المساحة لا دولة قائمة صغيرة الحجم مكتملة الأركان، لكن مئات الملايين من عوائد الخزينة المنتظرة وعشرات الآلاف من فرص العمل المأمولة للأردنيين ضاعت بسبب سياساتٍ حكومية إستثمارية لم تلتفت في معظمها للواقع على الأرض عند التخطيط، لا من حيث شمولية البُنى اللوجستية ولا حسن إختيار المناطق الجغرافية الأنسب وكذلك البنية التشريعية المستقرة اللّازمة أو الأطقم المجهزة للتواصل مع هذه الفئة من المستثمرين - من صغار الموظفين حتى كبارهم - .

ولم تراعي الجامعات التي إنتشرت على مساحة الوطن وكذلك المبادرات الحكومية أهمية تأهيل أبناء وبنات المناطق التي وُجهت التنمية نحوها لتتناسب أولويتهم في العمل مع متطلبات المشاريع الإقتصادية المتواجدة هناك والتي كان يتوجب أن توجه هي الأُخرى - المشاريع - للمناطق على أساس المزايا الطبيعيّة والبشريّة لكلّ منطقة وفقاً لما يعرف بـالفُرصتين ( الإستثمارية ) و( السكانية ) في علم الإقتصاد .

وهرب الإستثمار لأسبابٍ مُركبةٍ كان أبرزها ( عزل ) المستثمرين عن التواصل مع سِدة الحكم رغم أنها بوابتهم المُستقطِبة، إما خوفاً من بث الشكوى عن قصور الإدارة العامة أو طمعاً وإستئثاراً من المسؤول بالقرب من المستثمر للفائدة الشخصية نقديّاً أو عينيّاً أو وظيفيّاً .

وعلى صعيد التنمية وحسن التوجيه، لامَسَت الجولات واللقاءات الملكية في الداخل فجوةً بين الشعب وسلطاته تحول دون إيصال صوته بالإضافة للمحاباة في توجيه الخدمات والمشاريع، وأن صوت الشعب الحقيقي محجوبٌ تحت سيطرة دوائر النفوذ العشائري والمالي والسلطوي مما يحول دون تجاوز القيود التقليدية في الإختيار والتمثيل وبالتالي عدم قدرة الشعب على توجيه التنمية لطريقها الصحيح رغم كفاءته وجاهزيته لإدارة شؤونه بنفسه، فقررت الدولة التحول نحو»اللامركزيّة «

لتضرب عصفورين بحجر واحد، الأول تصويب مسار الخدمات والثاني إتجاهٌ إجباريٌّ لفرز مجالس نيابية على أسسٍ تشريعية ورقابية لاخدماتية، وتأخر المشروع لسنواتٍ ناهزت العشر نتيجة لما نَصَبتهُ القوى الكلاسيكية حوله من فزاعات موسميةٍ سعياً منها للحفاظ على أدوات تحكمها وأذرعها التي تشكل جسوراً تضمن سيطرتها على حصّتها من السلطة، فتأخّر المشروع برُمته وما زلنا في أدواره التدريبية الأولى ولم نجني أياً من الهدفين سالفي الذِّكر .

وظهرت الشماعة الجديدة»الولاية العامّة»التي وإن كانت لا تحفظ ماء الوجه لكنها تصد سيول النقد والإتهام بالإخفاق، حتى تولد مزاجٌا عاما يميل إلى الجزم واليقين بعدم توفرها رغم تأكيدات أصحاب شأنٍ بأنهم إمتلكوها ولم يتنصلوا من أية تبعةٍ ومسؤولية خلال خدمتهم وبعدها، والحقيقة أن الولاية العامة ( جسارةٌ ) بالمُجمل، إذ تنقسم النّصوص إبتداءً من الدستور وإنتهاءً بالتعليمات إلى تنظيميةٍ وعِقابية وهذا هو الفيصلُ والمعيار بين مَن إختار المواجهة ومَن فضّل المُراضاة أو إنصاع لقاعدة»سكن تسلم « في إدارة الملفات جميعها .

مع ضرورة التّمييز بأن ذلك لا يعني مطلقاً أنّ تعصب صاحب الولاية برأيٍ ورفضه للإستمرار فيها دونه هو الفَضِيلة، فالعملُ العام تشاركي وهرمِي لا يستقيمُ بفردية الطابع والتفرد بالرّأي، لكن المسألة أبرَقَت في ذهن من أراد التذرّع بها وباتت وسيلةً وذريعةً لمن أراد التنصل والتجنب أو الإنسحاب عند العجز .

وإزاء القصور التراكمي، أدركت الدولة ألا مجال للإنتظار حتّى تنبثق عُرى هذه العقدة ومصفوفتها المعقدة، فتدخلت نجدة للمواطن مُوسعة قاعدة المكارم لتغطي أكبر قدرٍ تستطيعه، وأُجبِر الديوان ومؤسساتٌ مدعومةٌ على تأمين ما يكفي لسد العجز إلى حين تصويب المنظومة والتوجيه السليم لموارد الدولة نحو الجيوب المستحقة لها .

وفي ظل عجز القوى السياسية عن إستقطاب الجماهير وتداول السلطة بديمُوقراطيةٍ حتى داخل أجسامها، تناوبت على الساحة حركاتٌ نقديةٌ فرديّةٌ وصفت نفسها بالمُعارضة رغم أنّها لا تمتلك برامج تطرحها لا رؤى واقعية تتبناها، فكان تهييج الشارع وسيلَتها نحو الهدف وهو إما السلطة أو الشهرة أو التكسب، ولما يإسَت أو لفظها الشارع رفعت أسقفها إنتقاماً .

وإلتقطت الفكرة ذاتها منابر فردية في الخارج عمدت إلى تغيير النمطية التقليدية نحو أسلوب الـ» بروباغندا»القائم على التشويق وإجتزاء الحقائق وإخفاء الإيجابي منها عبر شخوصٍ عجِزَت هي الأُخرى أن تصنع بصمة خلال مسيرتها في الوطن، وما زالت تسعى رغم عدم تمتعها بالمصداقية في الماضي ودون معرفة مصدر تمويلٍ أو حتى دخلٍ مُقنعٍ لها في الخارج وستستمر إلى أن يحترق الكرتُ الأخير في جعبتها وتلقى مصير غيرها بالأُفول والنِّسيان .

وللحديث بقية أيضاً...