الاقرارات التي أشر لها وزير التربية والتعليم السابق الدكتور محمد الذنيبات، فيما يتعلق بجودة التعليم المدرسي، لم تكن مفاجئة للمتابعين والمعنيين بمسيرة التعليم ، ضعف لافت في القراءة والكتابة والحساب، ( فهناك 130 الف طالب في الاول والثاني والثالث الاساسي لا يقرأون ولا يكتبون).
هذا عدا عن ضحالة المعرفة ،وحتى التربية، ويؤكد ذلك اللقاءات والمقابلات، مع وزراء تربية وتعليم عال ، التي تكشف دون مواربة ،بان التعليم يتراجع بصورة لافتة منذ عشرين عاما.
الذنيبات بدوره، فتح صراعا لاعادة الهيبة للتوجيهي ،للوصول الى اعادة مخرجات التعليم المدرسي الى سابق عهده، وتطويره، فواجه الكثير من اللوبيات في المدارس الخاصة، والمراكز الثقافية الهادفة للتكسب من الدروس الخصوصية،ولم يسلم حتى من ثلة في التربية،والمعلمين لمقاومة إجراءاته.
أما الحقائق الأخرى الفاجعة، فهي ما تحدث به رئيس الوزراء السابق والوزير للتعليم والعالي والخبير التربوي ،الدكتور عدنان بدران، فأكد الكثير من الحقائق القاسية حول التعليم وبالذات العالي ،وهو يعي جيدا بمعنى جودة التعليم العالي، وكفاءة الخريجين، من تطوير للدولة بمختلف مرافقها، وتصدير خبرات اردنية كانت مطلوبة في دول الخليج بالتحديد، وجلب طلبة عرب وأجانب الى جامعاتنا، التي تعاني سوءا إداريا في أغلبها يصنعه رجال السياسة ( الحكومة)، وهجرة الكفاءات العلمية، ومديونية تناهز ال 200 مليون دينار على أغلب الجامعات الرسيمة،ليصل الأمر بالعجز عن تأمين الرواتب، لكادر بشري مثقل ومترهل، بفعل التعيينات العشوائية والتتفيعات.
هذا الحال، يعيدنا الى ان تجارة التعليم تزدهر، فبعد أن كانت المدارس الخاصة محدودة، بعدد أصابع اليد في المدن الكبرى، أصبح عددها يضاهي المدارس الحكومية ،لأن الاهداف التجارية أبعدت جلها عن رسالة التربية والتعليم ، فاكتظت صفوفها، وتراجعت مخرجاتها، وهذا ما قاد الى تذمر المواطنين ، والقول: مدارس خاصة ودروس خصوصية أيضا ،ليتابع المطلع على واقع التعليم ،بأنه لا بد من دروس خصوصية للطلبة، ولم تعد مقصورة على طلبة محدودين أو محتاجين لها ، بل أصبحت حالة عامة ،ولم تعد لمادة كالسابق ( رياضيات ، فيزياء ، انجليزي ) ،بل لاغلب المواد ،وهذا الأمر ، يُنسخ على طلبة جامعيين ايضا ولو بشكل أقل.
ما الحل.. بعد تولي إدارات متواضعة الاداء لمديريات ومرافق التربية والتعليم العالي ، كان للتفكير الاداري السليم بضابط ايقاع في التربية، فكان الدكتور محمد الذنيبات، وبدأ باجراءات عملية للعودة بالتعليم الى حالته المثالية السابقة ،ولكن هذه الحلقة لم تكتمل، لان الخطط تتغير بتغير الرجل الاول في الوزارة ،وأي حديث عن استراتيجية عابرة للوزراء غير صحيح.
ونعود مجددا للدكتور عدنان بدران الذي أعيد ليشرف على المناهج ،وتكلم عنها باسهاب عدة مرات، في ندوات ولقاءات، ليقر بالواقع المتردي للمخرجات والجودة والكفاءة، لانه يواجه طالبا جامعيا لا يحسن الاملاء، ويواجه عصرا يتطور بسرعة لا ينتظر احدا ، فإن لم نلحقه فسيفوتنا القطار، وهذا لا يعني التراجع التعليمي فقط، بل في كل مرافق الحياة.
أما الجزء الأهم في العملية التعليمية المتعلق بالمعلمين، فهم نتائج جامعات تعاني ،ونظام تعليمي تراجع في العقود الماضية، لذا لا بد من وقفة حقيقية وجدية لإعادة تأهيلهم، واعدادهم لغرفة الصف ،وإعادة الاعتبار للمعلم كقيمة مجتمعية، لكي لا ينسى أن ثمة أفواها تحتاج للمعرفة والقراءة والكتابة، كما هو حاجتها الطعام، فنيسر له سبل التدريب المقنع، والمعيشة التي تسد الرمق، وتغنيه عن تواضع الاداء ،للبحث عن مصدر رزق، وفي الغالب من الدروس الخصوصية، التي أصبحت تجارة رائجة ومرهقة لأولياء الأمور.
حلقة التعليم أساسها المعلم ،الذي يجب الا تغمض عنه العين اداء واشرافا ،وحتى نقابيا ،فكما تعمل نقابة المعلمين على متابعة حقوق معلميها ،عليها جهد-وهذا ليس اتهاما-لحث معلميها على بذل العطاء الأكبر لتحسين الاداء، بما يحسن مخرجات التعليم ،رغم اقرار الكل بواقع البنية التحتية للمدارس، واكتظاظ الصفوف، والعبء المدرسي والدراسي على المعلم ، الا ان التعليم رسالة وهدف،وطوبى لمن اعطاها حقها.
اصلاح العملية التربوية والتعليمية، يحتاج الى جهد متكامل من جميع الاطراف المعنية، دون مجاملة أو تحيز للمصالح ،فالنهج العلمي السليم واضح المعالم ،وهناك من يقدر على قيادته، لكن دون تدخل او وصاية من أي كان .