كتاب

السودان..إلى أين؟!

ربما أنه لا علاقة لانفجار الأوضاع في السودان بمجرد عودة الرئيس البشير من زيارته «الخاطفة» إلى دمشق التي أثارت تساؤلات وتكهنات كثيرة والملاحظ أن هذا الإنفجار قد جاء بعد عودة الرمز الوطني الكبير الصادق المهدي، رئيس حزب الأمة، إلى الخرطوم بعد غياب طويل أخذه إلى «التطواف» بين بلدان كثيرة عربية وغير عربية!!.

والمعروف إن الجنرال عمر البشير قد اعتلى «صهوة» الحكم في هذا البلد العربي بعد سلسلة طويلة من الإنقلابات العسكرية والإعدامات العشوائية الإنتقامية وبعد أن عاد جعفر النميري من منفاه في القاهرة عودة غير ميمونة ارتكب بعدها فضائع كثيرة وحيث جاءت سيطرة الرئيس الحالي على الحكم في نهايات ثمانينات القرن الماضي بعد مرحلة إنتقالية شغلها ذلك الرجل الطيب النظيف سوار الذهب، رحمه الله، وبقي مستمراً حتى الآن.

ربما أن عرباً كثيرين لا يعرفون أن المسيرة السياسية في هذا البلد العظيم من أغنى وأرقى التجارب في الوطن العربي كله أنه قد تخللتها إنقلابات عسكرية كثيرة وأن الحياة الحزبية فيه قد شهدت وجوداً فاعلاً حتى للقوى والأحزاب غير التقليدية كالحزب الشيوعي وحزب البعث وأيضاً كالإخوان المسلمين وذلك رغم أنهم كانوا خلال فترات المد القومي واليساري هامشيون جداًّ وكان حضورهم يستمدونه من بعض الإتجاهات التقليدية التي لا تزال فاعلة ومؤثرة في السودان حتى الآن.

كانت جامعة الخرطوم في البدايات وبخاصة في ستينات وسبعينات القرن الماضي وأيضاً حتى ثمانيناته بؤرة سياسية خرَّجت الكثير من القيادات المرموقة وكان للمرأة دور طلائعي في هذا كله وبخاصة في ما يتعلق بالحزب الشيوعي الذي يتميز عن غيره من الأحزاب المماثلة بأنه تنظيم وطني وقومي أيضاً وأنه رغم علاقاته السابقة بالإتحاد السوفياتي وبالدول الإشتراكية في أوروبا الشرقية بقي يحافظ على إستقلاليته وعلى منطلقاته الوطنية وهذا تشهد عليه وتؤكده مواقف قائده الكبير فعلاً عبدالخالق محجوب.

والآن وقد دخل السودان بشعبه الطيب فصل الربيع العربي متأخراً كل هذه السنوات، التي شهدت تقلبات كثيرة، فإن الأفضل للرئيس عمر البشير بعد كل هذه السنوات الطويلة من الإنفراد بالحكم أن يتنحى وينسحب من الحياة السياسية بسلام وبدون أي صدام ويترك للسودانيين بتجربتهم الغنية والنظيفة أن يأخذوا بلدهم إلى برّ الأمان وإلى الحريات العامة والتعددية الحزبية وإلى إستغلال خيرات هذا البلد الذي كله خيرات كي لا يكون هناك أي جائع وفقير على الإطلاق وكي تغلق السجون كلها.. وللأبد ولينتقل هذا البلد المعطاء من وضعية القرون الوسطى إلى وضعية القرن الحادي والعشرين.

Virus-free. www.avast.com