كعادته فاجأ الرئيس ترمب العالم بـ«تغريدة»، أعلن فيها سحب القوات الاميركية من سوريا، والكثير من تغريداته تتسبب بهزات سياسية ينتج عنها ارتدادات داخل أميركا وخارجها. وقراراته المباغتة في العديد من الملفات المهمة، تربك حلفاء أميركا وتعيد خلط الأوراق.
ردود الفعل على الانسحاب الاميركي من سوريا بدت متضاربة، تراوحت بين الترحيب من قبل بعض الاطراف مثل روسيا، الدولة صاحبة القرار في سوريا..والمفاجأة والاستغراب واللوم من أطراف أخرى، وكان أكثر التداعيات الداخلية للقرار استقالة وزيرالدفاع جيم ماتيس، فضلاعن ردود الفعل الغاضبة من قبل الكونغرس لأسباب سياسية داخلية.
والبعض اعتبر القرار«انتصاراً تاريخياً»، للنظام السوري وروسيا وايران وما يسمى«محور المقاومة»!خاصة وأن اسرائيل بدت غاضبة، وبعض المحللين المتحمسين للنظام السوري، ذهب الى درجة اعتبار القرار الاميركي»مشبوه»، وجزءاً من رسم خريطة جديدة للشرق الاوسط مرتبطة ب»صفقة القرن» ! وأخرون ربطوا القرار بتحركات اسرائيل لتدمير أنفاق حزب الله، ووقوع عمليات مقاومة في الضفة الغربية وقطاع غزة،واحتمال وجود علاقة بين القرار والأزمة السياسية الداخلية التي يواجهها نتانياهو مع الائتلاف الحاكم ،بعد استقالة وزير الحرب ليبرمان، احتجاجا على اتفاق التهدئة مع حماس، بعد فشل العملية الاستخبارية الاسرائيلية في خانيونس !
وعنصر الإثارة الذي أضاف مادة جديدة للتحليل،الزيارة المفاجئة التي قام به الرئيس السوداني عمر البشير الى دمشق، في الوقت الذي يواجه أيضا أزمة سياسية واحتجاجات عنيفة، ضد السياسات الاقتصادية وتردي الوضع المعيشي والخدمي في السودان. وقد طرحت الزيارة سؤالا كبيرا: هل تمت بالتنسيق مع دول عربية أخرى وروسيا، ضمن جهود لإعادة تأهيل النظام ،وعودة سوريا الى عضوية الجامعة العربية!
ورغم حذري من الغوص في تحليلات وهمية، يبدو لي أن أقرب التكهنات لخلفيات قرار ترمب ، هو ربطه بصفقة مفترضة مع تركيا، تضمن تسليم واشنطن الى أنقرة رجل الدين التركي «فتح الله غولن»، التي تطالب به أنقرة منذ سنوات، وقبل القرار بأيام أعلن الرئيس التركي أردوغان، أن بلاده ستبدأ عملية عسكرية شرقي نهر الفرات في شمال سوريا ،ضد وحدات حماية الشعب الكردي السورية، التي تعتبرها أنقرة إرهابية،ونسخة عن حزب العمال الكردستاني التركي «pkk » وأن ترمب رد بإيجابية، ويرتبط ذلك بالحديث عن خطة تركية،لاحلال المعارضة السورية المسلحة مكان الوحدات الكردية، والتحضير لعودة مئات الالاف من اللاجئين السوريين.
والمفارقة هنا وجود عامل مشترك بين موقفي أنقرة ودمشق ،وكلاهما ترفض التوجهات الانفصالية الكردية، وكان طبيعيا أن يثير القرار الاميركي غضب الاكراد، الذين كانوا يعتمدون على الدعم الاميركي، واعتبروا القرار«طعنة بالظهر»!
دون أوهام قرار الانسحاب، لا يغير كثيرا من الواقع الذي انتجته الحرب، فالعمود الفقري للتدخل الأميركي كان أصلا يعتمد على الضربات الجوية، وعدد الجنود في القواعد على الارض بحدود ألفي عسكري ! وقبل القرار كان المشهد السوري يتشكل مجددا، بعد الحسم العسكري لصالح النظام بدعم روسي ايراني، لكن الضباب السياسي لا يزال يحيط بالمشهد..ويطرح أسئلة..ماذا بعد مقتل مئات الالاف السوريين وتشريد الملايين؟ وكيف يمكن تعويض الكلفة الانسانية والمادية الهائلة التي خسرتها سوريا؟ بالاضافة الى خسارة قرارها السياسي وتسليمه عمليا الى روسيا وايران بما يشبه«الوصاية»!
من سيمول إعادة الاعمار؟ وما هو شكل وجوهر النظام السياسي الذي سيحكم سوريا؟ في ظل المفاوضات لتشكيل لجنة دستورية، لانتاج دستور جديد برعاية روسيا وتركيا وايران، في غياب النظام والجامعة العربية ! هل سيبقى النظام بصورته القديمة، منتشيا بـ«انتصار»النظام، وحلفائه على مطالب الشعب السوري الاصلاحية التي بدأت سلمية ؟ ثم حولها النظام الى مسلحة بالاستعانة بقوات أجنبية «روسيا وايران»، فضلا عن ميليشيات عديدة..الخ ؟ من الصعب تخيل الاستمرار بأساليب حكم قادت سوريا الى هذه الكارثة !