الأردن اليوم وسؤال المستقبل

تاريخ النشر : الجمعة 11:00 21-12-2018
د. فيصل غرايبة

كثيرون هم الأردنيون المنشغلون بالتفكير بمستقبل بلادهم العزيزة عليهم، ويطرحون سؤالا افتراضيا عن مستقبل هذا البلد، وكأن هذا المستقبل سيكون غير اعتيادي او غير ما درجنا عليه عبر الأجيال في هذا البلد الصابر المرابط، والصامد رغم محدودية الامكانيات وغزارة الاحباطات وتعدد الأخطار المحدقة والأضطرابات المحيطة. وتطال هذه التساؤلات بشكل تعسفي مفاهيم راسخة ورمزية ثابتة، مثل وطنية الهوية وجغرافية الكيان وخصائص الجوار ونموذج الانجاز أو/ وحتى حجم المؤامرة الخارجية وأبعادها، وتحاول ان تجيب نفسها بنفسها بطريقة متشائمة و بصورة متوهمة وعلى نحو مبالغ فيه. مما يصعب على المتفائلين بالمستقبل والمتفهمين للحاضر والناظرين للغد أن يأخذوا تلك التكهنات على عواهنها ويحملونها على محمل الجد ويقرونها كقناعة جامعة مانعة. وفي هذا الخضم من الكلام المسموع شفاهة او المقروء كتابة، تبرز قضايا تكتسي الخطورة وتثير الاهتمام، تلاحقها الشائعات وتطحنها التكهنات.

ان حرية الانشغال بالقضايا المجتمعية والهم الوطني حرية يكفلها الدستور وتلتزم بها التشريعات، كما ان حرية التعبير عن الراي مكفولة دستوريا وقانونيا بوضوح وبصراحة، ومن حق المواطن ان يتساءل عن اجراءات الحكومة وتصرفاتها عبر مجالسها ومؤسستها حيال تلك القضايا والمسائل، مثل معالجة قضايا الفساد وتقليص المديونية وانجاز التنمية ومد الخدمات ونشر الأمن الاجتماعي، وهي التي تهم كل مواطن كما تعني كل مسؤول. ولكن التلكؤ الرسمي والتباطؤ الاجرائي حيالها جعل التفاتة المواطن الى ذوي العلاقة التفاتة تحمل الاستغراب والاستهجان، وان طالت فترة الانتظار في سماع طرق المطرقة، دون رؤية القيام بالتصويب والانتقال الى الصحيح، مما قاد الى تجاوز حدود الاصغاء والمراقبة، ونفذ الصبر الجمعي المبني على تقدير المواقف والامكانيات، لتحقيق ما اعلن عنه وما افصح عن النية والتصميم على الوصول اليه.

ان اتجاهات المواطنين تجاه حكومات بلدانهم، تتحكم بها عادة عوامل نفسية تقودهم الى الانسحاب من المشهد الوطني العام، والى اختفاء النظرة الأيجابية الى الحكومة وانجازاتها،ويضمحل مع اختفائها الاصرار على العمل، فتتلاشى الطاقة اللازمة لمواجهة التحديات وتذليل الصعوبات. وليس ذلك نتيجة لضعف الانجاز، وانما يكون ذاك نتيجة لأزمة ثقة بين الحكومة والناس، والتي يصاحبها شكوى دائمة من التقصير في الأداء، وعدم الاصغاء الى الآراء الشعبية، واهمال المطالبات الشعبية والتقصير في تلبيتها، بحجة ضعف الامكانيات المادية، تبعا لذلك برز التشكيك بالقدرات الحكومية وانعدمت الثقة بالمسؤولين على جميع المستويات، فاقتصر النقد وانحصر النظر على الجانب المظلم لمخرجات الاجهاد المتراكم الذي يعيشه المواطن. هذا في الوقت الذي قال فيه جلالة الملك: «أن الأردنيين والأردنيات يستحقون الكثير من الحكومة»، داعيا المسؤول أن يفتخر بأن عمله هو خدمة الأنسان الأردني. حتى أن رئيس الوزراء أفصح بأن «ازمة ثقة قاسية» اهم مشكلة تواجه حكومته.

ومن هنا برزت ظاهرة انتقاد المسؤول السابق لأعمال وقرارات ونشاطات المسؤول الحالي على اختلاف المستويات والقطاعات، ويتحدث السابق عن الموضوع بصيغة المقارنة بين الانجاز السابق الرائع والانجاز اللاحق المتواضع، او بصيغة العتب والتلاوم على انكار الانجاز السابق وتناسي النشاط الذي انقضى.

على هذا الغرار تحولت قصة الشرشف الخاصة جدا الى حالة رمزية تنطوي على جوانب سياسية ليس من الحكمة الكشف عنها، فالأم التي احضرت الهدية الى ابنها قد تكون امرأة ما أو جماعة/ أو جماعات أو شعبا، والشرشف قد يكون قماشا أو مؤسسة، أما زوجة هذا الابن فقد تكون امرأة ما وقد تكون مسؤولا رسميا، أما الابن فربما يكون موظفا صغيرا أو مسؤولا كبيرا، فلم يعد الشرشف قطعة قماش رخيصة السعر، انما هو رمز يرفع الغطاء فيه عن الحقيقة او عن المخالفة، لذا فان المقصود أن يبقى البحث مستمرا، ليعطي بالتالي دلالات جديدة، بوضوح وبدون غموض.

كما كانت من قبلها تلك الانتقادات قد وجهت الى مسؤول سابق قد خانه التعبير في الدفاع عن قضايا تخصه في مراحل سابقة، وتناولتها وسائط التواصل الألكتروني بشيء من الحدية الشعبية، اذ اعتبرت التناولات عبر تلك الوسائط ان كلام ذاك المعني يشكل إهانة لكل اردني لم يكن أحدا من أصوله او فروعه وزيرا، باعتبار أن الأمر اصبح مختلفا عما سبق، والتوزير لم يعد حكرا على أسماء بعينها، يتم توارثها كابرا عن كابر، وان الشارع السياسي الأردني أفرز قيادات بحجم الوطن، الذي بني وما زال يبنى بسواعد النشامى الذين افرزهم هذا الشارع، الذي لم يبن سعادته على شقاء الاخرين ولم يبتز الوطن،وهو لا يتنكر أو يتناسى جهود السابقين ومساهماتهم بالمنجز الوطني الواحد، الخالي من عيوب المحسوبية والنفعية الشخصية الضيقة.

ان المطلوب والذي ما ينبغي علينا شعبا وحكومة اتخاذه هو: ادراك الظروف وانتقاء الخطوات التي تساعد على تطوير الأداء الوظيفي الفردي والجماعي والمؤسسي، وتنمي المقومات الايجابية في الشخصية، وتقوي من حس العدالة والفضيلة والشعور بالمسؤولية، بما يزيد من اهتمام بالمجتمع، متخليا عن الفردية الأنانية. وفي ذات اتخاذ موقف وطني متكامل وتصميم على توفير الأجواء لمواجهة الضغوط النفسية التي يعاني منها عدد كبير من الأفراد، وعلى تمكينهم من مواجهتها، بموازاة توليد الرضا عن الحياة، والعمل على جودة نوعية هذه الحياة. وما الساحة الحزبية الا الساحة الأولى والأرحب ليمارس الشباب دورهم وحقهم في الحياة العامة لمجتمعهم، والتماس مع مختلف قضاياه، والتعامل الايجابي مع المشكلات المزمنة والطارئة فيه.

اذ أن من التناقض الحاصل بين نموذج السياسي الذي يتقن فن الممكن، وبين نموذج المثقف الذي يتقن فن المستحيل، يخرج نموذج ثالث ليستفيد من تجربة الأول بالفعل، ويستفيد من فكر الثاني بالطرح، ينضوي تحته المثقفون الذين ينادون بالواقعية، ويطالبون أصحاب الرأي والكلمة والاتجاه والموقف، بأن يعدلوا من آرائهم ويجددوا في خطابهم، بحيث يكون الرأي أكثر واقعية والكلمة أكثر موضوعية والموقف أكثر مراعاة للظروف، ليفرز طبقة من المثقفين تنادي بالإدراك الواعي للمستجدات وبالمواءمة مع المتغيرات، وبمدارة الواقع، باعتبار أن العالم يتطور والدينا تتغير، وما على الإنسان إلا أن يتكيف وعلى المجتمعات أن تتدارك نفسها، وتلحق بقطار التقدم قبل أن يغادر المحطة ويترك الرافضين في المحطة، قاعدين حائرين.

نحن في هذه الحالة بأمس الحاجة الى بوتقة وطنية جامعة، لا تكتفي بالتشخيص، والتذمر، وتشريح المشكلة.. بل تغلّب صوت العقل، وتتصدى للحل بكل شجاعة واقدام وحيادية.

[email protected]

*عضو المكتب التنفيذي لحزب الاصلاح

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }