يظنون أن المتاجرة أو ما يسميها البعض بالمضاربة ليست ذات شأن للاقتصاد وربما ضارة، ففرضوا عليها ضريبة وينسون أنها كالملح للطعام فلولاها لا تتحقق سيولة مستمرة وامكانية لتسييل الملكيات، وهي الميزة الهامة التي تميزها عن بقية أنواع الاستثمار، حيث يحتاج العقار للوقت لتسييل الذي تملكه بينما الأسهم البيع أو الشراء ينفذ في ثوان.
من هنا جاءت قدرة البورصة على توفير السيولة التي حين تنشط ويجني المستثمرون الأرباح الرأسمالية ينتقل النشاط فيها من نشاط مضاربي إلى نشاط اكتتابي، وهو الهام والذي يشكل الإضافة الحقيقية للاقتصاد من خلال تأسيس شركات جديدة حيث الانتاج والتصدير والتشغيل.
قرار الحكومة المرتجل بخصوص تعليمات أرباح المتاجرة بالأسهم يحتاج للتمحيص والتفصيل وفيه غموض ومماطلة، ولا مجال لتأخير إصدار التعليمات التنفيذية بعد التعليمات المبدئية حول ضريبة المتاجرة بالأسهم، فالموضوع واضح ويحتاج لاستكمال سريع، حيث البورصة استنزفت ما يزيد عن المليار والعودة إلى الخسائر متوقعة إذا استمرت المماطلة والضبابية السائدة أو جاءت التعليمات طماعة أو منقوصة.
التعليمات تضمنت ايجابية أن الأرباح التي توزعها الشركات المساهمة بشكل سنوي معفاة من الضريبة، لكن الأرباح الرأسمالية من المتاجرة بقيت هي المشكل وقد جاءت التعليمات الخاصة لتزيد الغموض في ظل عدم تعريف فترة الاحتفاظ القصيرة.
يجب أن يتم تحديد مدة المتاجرة بشكل واضح والتي إذا بيعت قبل انقضائها وحققت ربحا فإنك تدفع ضريبة وإذا احتفظت بالأسهم بعد انقضائها لا تدفع، فالإشارة إلى أنها ستكون قصيرة هو مصطلح غامض لم توضحه التعليمات والأمثل أن تكون أسبوعا، لكن ذلك من غير الممكن تبنيه لاعتبارات فنية معقدة، وحاجته لكوادر عاملة كثيرة واجراءات ونظم الكترونية للتتبع ووقت لتنفيذه.
لذلك الحل العملي الوحيد أن تكون مدة الاحتفاظ سنة، بمعنى من يشتري و يحتفظ بالأسهم مدة سنة فأكثر وحقق ربحاً يعفى من الضريبة، أما من يشتري ويحتفظ بالأسهم مدة أقل من سنة يدفع ضريبة مقطوعة ويجب أن تكون قليلة حتى نفرغ القانون من ضرره تجاه نشاط المتاجرة وبالتالي على المستثمرين وعلى البورصة اجمالاً.
بالأرقام يعفى من احتفظ بأسهمه مدة سنة فأكثر، ويدفع 500 دينار كمبلغ مقطوع من باع قبل مرور السنة وحقق ربحاً من المتاجرة يزيد عن 20 ألف دينار، بحيث مهما زادت أرباحه يبقى سقف الضريبة 500 دينار ولو وصلت أرباحه عشرات الملايين، أما دون الـ 20 ألفا فهو معفى من الضريبة.
يشترط لنجاح هذه الضريبة وللتخلص من أي أثر سلبي ممكن أن يتم فصل أرباح المتاجرة عن الدخل الفردي وتعامل ضريبياً لوحدها، بحيث لا يتم خلطها مع بقية دخل المكلف، أما اضافتها إلى الدخل الخاضع للضريبة فكأنك»يا بوزيد ما غزيت».
أما إذا خرجت الأمور عن نطاق هذه الضريبة المقطوعة البسيطة أو تم تبني شرائح أو غيرها، ففي ذلك مقتل للسيولة وتآكل جديد لأحجام التداول، وبالنتيجة اجحاف بحقوق المستثمرين وهجرة للأموال وتكبيل للاستثمار المؤسسي وتجفيف لما بقي من السيولة الضحلة.
المتاجرة وسوق رأس المال لا تحتمل المزيد من الانتظار حيث من الواجب اصدار التعليمات التنفيذية الناضجة المتكاملة بسرعة، فالأمور واضحة حيث المطلوب افراغ القانون من مضمونه السلبي.
الخسائر استنزفت الملايين يومياً من القيمة السوقية ونأمل أنها انتهت إلى غير رجعة، فالتسييل الجارف خطير تداعياته على الاقتصاد، وسيعود للواجهة اذا صدرت تعليمات غير مرضية للجميع، الأمر الذي يتطلب تعريف مدة المتاجرة بشكل يعيد الجاذبية للبيئة الاستثمارية للسوق خاصة في ظل الاهمال الطويل لها.
أخيراً تجدر الإشارة إلى أن صحوة وصرخة رئيس مجلس النواب جاءت متأخرة فالقانون كان بأيديهم، وقد اغفلوا هم والأعيان أصوات المنادين بإعفاء أرباح المتاجرة، وكان بالإمكان رفض مقترح الأعيان الذي قادنا إلى ما نحن فيه من متاهة وتخبط.
بالأسهم احذروا المماطلة والطمع في ضريبة المتاجرة
11:00 17-12-2018
آخر تعديل :
الاثنين