لماذا يصدر «العفو العام» بقانون ؟
11:00 17-12-2018
آخر تعديل :
الاثنين
بناء على توجيهات ملكية سامية، بدأت الحكومة السير بالإجراءات اللازمة لإصدار مشروع قانون العفو العام لعام 2018 وذلك وفق أحكام الدستور، حيث وردت أحكام العفو في المادة (38) من الدستور الأردني التي تقضي بالقول أن «للملك حق العفو الخاص وتخفيض العقوبة، وأما العفو العام فيقرر بقانون خاص». فمن خلال الحكم الدستوري السابق نجد بأن للعفو نوعان، عفو عام يصدر في مواجهة جرائم معينة ترد على سبيل الحصر في صلب القانون، بحيث يترتب على صدور قانون العفو العام إلغاء العقوبات الجزائية الصادرة في هذه الجرائم بشكل كامل، بالإضافة إلى محو جميع الآثار القانونية المترتبة عليها. أما العفو الخاص، فيقصد به رفع العقوبة الجزائية عن فرد معين أو أفرادا معينين رفعا كليا أو جزئيا، دون أن يمحو العفو الخاص الصفة الجرمية عن الفعل الجرمي أو يؤثر في العقوبات التبعية.
إن التساؤل الأبرز في مجال العفو العام يتمثل في سبب اشتراط المشرع الدستوري أن يصدر بقانون وليس بنظام أو تعليمات أو حتى بقرار حكومي، والجواب على هذا السؤال يكمن بأن من النتائج المترتبة على صدور العفو العام تعطيل جملة من القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية، وفي مقدمتها قانون العقوبات، وقانون أصول المحاكمات الجزائية، وقانون السير في المخالفات، وقانون المخدرات والمؤثرات العقلية في بعض نصوصه. بالتالي، وسندا للقاعدة القانونية بأن القانون لا يُلغى إلا بقانون آخر من ذات المرتبة والدرجة، فقد كان لا بد وأن يشترط المشرع الدستوري في العفو العام أن يكون بموجب بقانون خاص يصدر تبعا للخطوات والمراحل الدستورية ذاتها التي تُتبع لإصدار باقي القوانين الأخرى.
أما فيما يتعلق بالعفو الخاص ومبررات صدوره بإرادة ملكية وليس بقانون عادي عن السلطة التشريعية على الرغم من أنه يترتب عليه تعطيل جملة من القوانين، فإن الإجابة على هذا التساؤل تكمن في تعريف القانون بأنه مجموعة من القواعد القانونية العامة والمجردة التي تصدر عن السلطة التشريعية لتطبق على الجميع على قدم المساواة، بحيث يكون هناك جزاء على مخالفتها. وحيث أن العفو الخاص يصدر في مواجهة شخص أو أشخاص معينين دون غيرهم من المحكومين–الذين قد يكونوا ارتكبوا الجرم الجزائي ذاته–ليتم إلغاء العقوبة الجزائية عنهم بشكل كامل أو تخفيضها، فإنه يتعذر إصدار العفو الخاص بقانون، كونه سيتعارض مع فكرتي العمومية والتجريد في القاعدة القانونية. فلا يجوز دستوريا أن يصدر قانون ليخاطب شخصا ما أو مجموعة من الأشخاص بذواتهم دون غيرهم من الأفراد، فيلغي العقوبة الجزائية عنهم أو يخفضها. فالأصل أن المخاطبين بالقاعدة القانونية هم جميع أفراد المجتمع -كقاعدة عامة- أو فئة معينة منهم بصفاتهم العامة، وليس بذواتهم الشخصية.
لذا، ونظرا لعدم جواز إصدار العفو الخاص بقانون، فقد أناط المشرع الدستوري – شأنه في ذلك شأن باقي الدساتير الأخرى–هذا الحق بالملك، ذلك باعتباره رأس الدولة ابتداء ورئيس السلطة التنفيذية وتصدر الأحكام باسمه من السلطة القضائية. فالملك في الدستور الأردني يحكم بأسلوبين اثنين، الأوامر الشفوية أو الخطية التي لا تخلي الوزراء من مسؤوليتهم عملا بأحكام المادة (49) من الدستور، والإرادات الملكية التي تكون موقعة -وكقاعدة عامة- من رئيس الوزراء والوزير المختص عملا بأحكام المادة (40) من الدستور. والأسلوب الثاني هو الأعم والأشمل الذي يمارس من خلاله الملك سلطاته وصلاحياته الدستورية، والتي من ضمنها الحق في إصدار العفو الخاص.
* أستاذ القانون الدستوري المشارك في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
laith@lawyer.com