رحبت كل من السعودية وإيران بالاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الحوثيين والحكومة اليمنية بوساطة أممية خلال محادثات السويد، باعتباره خطوة على طريق الأمل بإنهاء الحرب المدمرة التي خلقت أسوأ أزمة إنسانية حسب الأمم المتحدة، ويشير ترحيب البلدين إلى طبيعة الأزمة وتعقيدات الصراع في البلد الأشد فقراً في العالم العربي، فالأزمة اليمنية التي بدأت كنزاع سياسي داخلي سرعان ما تحولت إلى نزاع إقليمي ودولي عقب سيطرة جماعة أنصار الله الحوثية على صنعاء في 21 سبتمبر 2014، وانقلبت مواضعات المعركة من نزاع داخلي إلى حرب وكالة عبر مداخل الحرب الأهلية، وانحرفت النزاعات الجيوسياسية إلى مسارات هوياتية مذهبية في إطار الحرب الطائفية الإقليمية الباردة بين السعودية وإيران.
أفضى استيلاء جماعة أنصار الله الحوثية المدعومة من إيران على اليمن إلى انهيار بنية الدولة اليمنية المركزية، واستدعى ذلك تدخل تحالف عربي بقيادة السعودية والإمارات في 26 مارس 2015 باسم «عاصفة الحزم، وكان من المفترض أن يكون تدخل التحالف العربي سريعاً وحاسماً، لكن التقدم توقف، رغم التكاليف الباهظة، فعقب مرور أكثر من ثلاث سنوات على معارك التحالف العربي ضد الحوثيين لم يتحقق أي تقدم في الأهداف المرسومة، لا بإزاحة الحوثيين ولا بالقضاء على القاعدة، وشهدت اليمن انهياراً كاملاً في قطاع الأمن وكارثة في بقية القطاعات، ودخلت في حلقة مفرغة من العنف، وبات إعادة بناء دول مركزية فعّالة وهويّات وطنية متماسكة يتطلب معجزة لإيجاد عقد اجتماعي جديد عبر اتفاق يعتمد على حلّ الانقسامات السياسية والتصدّعات الاجتماعية العميقة التي أدّت إلى الحرب الأهلية والتدخلات الإقليمية والدولية.
أكدت معركة مدينة الحديدة التي أعلن عنها في 13 يونيو الماضي على كارثية الحرب، فالمعركة التي كان من المفترض أن تشكل منعرجاً في مسار موازين القوى لصالح التحالف السعودي الاماراتي تمخضت عن مخاطر أكبر وأكدت على صعوية الحل العسكري، الأمر الذي دفع باتجاه البحث عن حلول سياسية أفضت إلى حدثان بارزان مرتبطان باليمن حدثا في الثالث عشر من ديسمبر الماضي يحمل كلاهما تداعيات على المرحلة المقبلة من الحرب، حسب دانا سترول وهي زميلة أقدم في «برنامج جيدلد للسياسة العربية» في معهد واشنطن: أولاً، تحت رعاية مبعوث الأمم المتحدة الخاص لليمن، اجتمع الطرفان المتناحران في ستوكهولم واتفقا على وقف إطلاق النار في مدينة الحديدة المرفئية، التي تعتبر نقطة النفاذ الحيوية للمساعدات الإنسانية والواردات التجارية. ثانياً، أقرّ مجلس الشيوخ الأمريكي مشروع قانون «S.J. Res. 54»، وهو قرار مشترك -مع مجلس النواب- يسعى إلى وقف الدعم العسكري الأميركي للتحالف الذي تقوده السعودية في اليمن.
ثمة إشكالات عديدة للتوصل لاتفاق نهائي حول اليمن، إذ يتساءل العديد من اليمنيين عن مصير القرار الدولي «2216» الصادر عن مجلس الأمن في إبريل 2015، بعد تفاهمات السويد بين الحكومة المعترف بها دولياً وبين جماعة الحوثيين، والذي جرم الانقلاب الذي قاده الحوثيون وحليفهم السابق علي عبدالله صالح، ودعا إلى تسليم مؤسسات الدولة التي سيطروا عليها، وبموجبه تم فرض عقوبات على قيادات في الجماعة الحوثية، بينهم زعيمها، بالإضافة إلى صالح ونجله أحمد القائد السابق لقوات الحرس الجمهوري، إذ يبدو أن المبعوث الأممي مارتن غريفيث يعمل على تحييد تأثير القرار 2216 كإطار حاكم لعملية الحل السياسي في البلاد، رغم أنه أوضح أمام مجلس الأمن أن القرار ومخرجات الحوار واتفاق المبادرة الخليجية ستبقى مرجعيات لإطار الحل السياسي، لكن الحقيقة أن «اتفاق السويد» يؤسس لمرجعية جديدة، تعترف بالحوثيون كسلطة قانونية.
من المبكر الحكم على نجاح الاتفاق أو فشله رغم الخروقات والاتهامات المتبادلة، فمساحات التشاؤم تأتي في ضوء واقع انهيار جميع اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة في اليمن، إذ يتعين على المجتمع الدولي الحرص على تولي «لجنة تنسيق إعادة الانتشار» عملها بشكل عاجل. بإمكان مجلس الأمن الدولي تعزيز التقدّم المحرز في السويد من خلال الإعلان عن تأييده الخاص، ويجب إزالة الغموض عن الاتفاق فالإشارة في وثائق ستوكهولم إلى قوات الأمن المحلية، ومؤسسات الدولة المحلية، والبنك المركزي اليمني، جميعها قابلة لإساءة التفسير والاستغلال من قبل الطرفين المتحاربين، حبث تنظر الأطراف المحلية والإقليمية للاتفاق بعيون مختلفة وتفسيرات متعددة ضمن حسابات النصر والهزيمة وكسر إرادة الآخر.
بصرف النظر عن دعاوى النصر والهزيمة، تولدت قناعة بكارثية الحرب واستحالة الفوز بكل شيء، فالانتقادات ضد الحرب في اليمن كانت تتنامى والشكوك حول جدوى وأهمية الحرب وأهدافها كانت تتصاعد، حيث نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» تقريراً للصحافية ميغان سبيشيا في يونيو الماضي، تقول فيه إنه عندما اشتعلت الحرب في اليمن قبل أكثر من ثلاث سنوات، فإنها حطمت بلداً كان هو الأفقر على مستوى العالم العربي، وأوصلته في المحصلة ليكون أسوأ كارثة إنسانية على الأرض، ويفيد الكاتب محمد بازي من «الغارديان» بأن الحرب تسببت بمقتل حوالي 10 آلاف يمني، وتركت حوالي 22 مليون يمني آخر -حوالي ثلاثة أرباع عدد سكان اليمن- بحاجة إلى المساعدات الإنسانية، مشيراً إلى أن هناك ما لا يقل عن 8 ملايين يمني على شفير المجاعة، بالإضافة إلى أن هناك حوالي مليون مصابون بالكوليرا.
إن الترحيب الإيراني والسعودي باتفاق السويد يكشف عن طبيعة حرب الوكالة في اليمن، فبحسب صحيفة «الغارديان» في تقرير بعنوان «إيران أغرقت الإمارات والسعودية بحرب اليمن» في يونيو الماضي، قالت فيه: إن إيران قد أغرقتهم في مستنقع حرب مكلفة ولا نهائية دون أن تتكبد هي سوى القليل من التكاليف؟ ولذلك، يشكل تخندق اقتصاد الحرب عقبة أخرى في طريق تحقيق السلام. وبناء عليه تستمر الحرب، وتتعاظم المعاناة، وتفقد المنطقة المزيد من استقرارها، ويتولد الإحباط والغضب ضد الغرب ويفقد الناس كل ثقة بحديثه عن حقوق الإنسان والقانون الدولي. فيما لو بدا في الماضي ممكنا إنكار التواطؤ، فإنه لم يعد بعد التطورات الأخيرة خافياً على أحد. وحسب تقرير مطول نشره معهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط، وكتبه الخبير والمتخصص مايكل نايتس فإن إيران تخوض حرباً في اليمن بتكاليف زهيدة للغاية، مقارنة بثمن «باهظ جدا» تدفعه السعودية، وقال التقرير إن الحوثيين وحليفتهم إيران بإمكانهما أن يتجاهلوا بسهولة الانتقادات الدولية الشديدة التي توجه إليهما بشأن دورهما في إطالة هذه الحرب ومواصلة ما يحدث بها من فظائع، وذلك لأن الثمن «الذي تدفعه إيران مقابل هذه الحرب زهيد بشكل استثنائي-حيث لا يتعدّى 30 مليون دولار شهرياً، مدعوماً بعدد قليل من المستشارين-ولكنه باهظ جداً بالنسبة للسعودية التي تنفق ما يقدر بـ 5-6 مليارات دولار شهرياً».
خلاصة القول أن اتفاق السويد يفتح ثغرة أمل على طريق الحل النهائي، وقد جاء عقب قناعة باستحالة فوز أي طرف، وتلك القناعة باتت راسخة في الولايات المتحدة وهو ما ظهر في تصويت مجلس الشيوح، فحسب مايكل نايتس فإن سليم العقل لا يمكن أن يعتقد «أن إطالة الحرب أكثر من الضروري سيفيد السعودية أو الولايات المتحدة»، لافتاً إلى أن «الولايات المتحدة محقة في إلقاء ثقلها وراء مفاوضات سلام بوساطة الأمم المتحدة، محذراً صناع القرار في الولايات المتحدة من غض النظر عما سماه «الحصيلة الاستراتيجية التي كانت الحرب (على الرغم من فظاعتها) تهدف إلى تجنبها»، والمتمثلة في ظهور «حزب الله» جنوبي آخر «تموله إيران في شبه الجزيرة العربية، ويحيط بمضيق باب المندب وقناة السويس، ويشكل تهديداً صاروخياً جديداً على السعودية وإسرائيل».
hasanabuhanya@hotmail.com
اتفاق «السويد» على طريق الأمل في اليمن
11:15 16-12-2018
آخر تعديل :
الأحد