دَرَجَ مفهوم الشارع» في المنطقة العربية منذ منتصف القرن الماضي، كتعبيرعن موقف وحركة الجماهير، إلاّ أنه في الواقع، كان أداةً سلطوية بامتياز، تحتكرها الاحزاب الحاكمة او الأجهزة المختصة لحشد الناس خلف الزعيم في مواجهة خصومة السياسيين في الداخل والخارج، وغير ذلك، لم يكن لأحد الحق باستخدام الشارع للتعبير عن رأي مخالف لما تراه السلطة، ولكن منذ أحداث الجنوب التونسي نهاية عام 2010، وإقدام (البوعزيزي) على إحراق نفسه غضباً واحتجاجاً، وما تبع ذلك من أحداث في مصر وليبيا واليمن والعراق وسوريا، دخل الشارع العربي في حقبة استخدام جديد ولم يخرج منها حتى الآن، لا حاجة للتذكير بتفاصيل ما حصل أو التكهن بما يمكن ان يحصل، لأن وسائل الإعلام ومواقع التواصل الإجتماعي تكفلت بالمطلوب، ومهما حاولنا تفهم بعض المبررات او افتراض حُسن النوايا، فان الأحداث والنتائج كانت مرعبة، تُدمي القلب وتؤرق الضمير، وتستدعي الأسف على الأرواح والممتلكات الخاصة والعامة والبنى الأساسية ووحدة الشعب والوطن وسمعته الدولية، باختصار، صراعات عبثية أي كانت الدوافع، اعتقد أطرافها انهم سَيحسنون من حاضرهم او سيحافظون عليه على الأقل، فإذا بهم يخسرون الحاضر والماضي وحتى المستقبل.
إن تواتر اللجوء للشارع على هذا النطاق الواسع والمؤسف، يوحي بأننا أمام ظاهرة تستحق الاهتمام وتستدعي الحذر، فهي مزيج من اهتمامات الناس وهمومهم، منها الحقيقي ومنها الافتراضي، يقابلها سلةُ من المفاسد وعيوب الأداء، فيها المقصود وفيها العفوي ، وبين هذا وذاك تتدخل الطبيعة البشرية، العابرة للأجناس والمهن والحدود والعواصم، تفتش في أي شارع عن حل لمشاكلها، وحين لا تجد جواباً او استجابة، ترفع الصوت وتتعمد ازعاج من لا يريد ان يسمع، وفي غياب التعقل ولغة الحوار تحضر الجهالة والحمق، وقد تقع الجريمة المركبة بحق الوطن ولا ينجو منها لا الطالب ولا المطلوب ، هنا يصبح درهم الوقاية خير من قنطار علاج، ولا وقاية تعادل الحكمة، ولا حكمة أثمن من استخلاص العبر وأخذ الدروس من تجارب الآخرين، الذين إكتووا بلهيب الشارع، والعياذ بالله، هذه وصفة السلامة ليأخذ بها كل عاقل كبيراً او صغيراً، أفراداً ودولاً ، مؤسسات أوجماعات.
في شرح هذه الحكمة بموضوعية واختصار، تكون البداية من تعثر بناء الدولة العصرية عند العرب، وفشل الدول القائمة، بحكوماتها وشعوبها أن تتقن ما تعمل بشكل عام، وبشكل خاص الفشل في تنظيم وتـأطير الجماهيري رغم أهميتها، الا في حالات حزب السلطة او سلطة الحزب، ويبدو ان أدوات التأطير القائمة من برلمانات ومحليات وأحزاب ومنظمات مجتمع مدني وغيرها، ما زالت بعيدة عن بلوغ الهدف، ولم تجد من يُفَعّلها او يحاسبها او يزيحها من الطريق، والنتيجة أن فراغاً تنظيمياً واسعاً وترهلاً وانحرافاً خطيراً في الأداء، وحالة من الإحقان والتوتر حصلت على إمتداد المنطقة العربية، فحاولت تيارات الاسلام السياسي استغلالها وملء الفراغ، استناداً على المخزون الثقافي والتاريخي والديني في المنطقة، ولكنها فشلت هي ألأخرى في اقناع المجتمع، الذي رفض في الغالب الخلط بين الدين والسياسة، تماما كما سبق ان رفض في الماضي صيغاً أخرى في التعبئة والتنظيم كفكرة التحديث من خلال الأفكار الشيوعية، على سبيل المثال.
لم تتمكن التشكيلات الحزبية بأنواعها من القيام بدورها في تأطير الجماهير او دعم الأداء البرلماني أو المساهمة في انتاج نظم سياسية فاعلة ومستقرة، فاستمر الفراغ التنظيمي وظهر ضعف الدوله وسوء إدارتها واحتدمت الصراعات الإجتماعية والسياسية، وساد الشعور باليأس والإحبات وانسداد الأفق، واتسعت شريحة المواطنين ذات المطالب المحقة والملحّة أحياناً، ولم تجد الأُطر المناسبة لتمثيلها واستيعابها أو تلبية إحتياجاتها، فلجأت الى الشوارع والميادين تصرخ لتُسمِع صوتها، دون ان تعرف أحيانا كيف ولماذا ولمن تتوجه بالنداء، وهو سلوك في الغالب عفوي إنفعالي يجري ودون خبرة كافية لإدارته أو تقدير عواقبه، وفي مثل هذه الحالات ليس هناك ضمانة ان يبقي الشارع لهذه الفئة، حسنة النية إفتراضاً، فمن المرجح بل من المؤكد أن فئات أخطر وأكثر حرفية تنتظر الفرصة للوصول الى الشارع نفسه، وقد تكون ذات أجندات خاصة فئوية أو حزبية، خارجية أو مشبوهة، وهي التي في العادة تتولى رفع سقف المطالب وإلهاب المشاعر والاستفزاز والتخريب، وتخلط الحابل بالنابل.
ومن الطبيعي أن تكون الدولة حاضرة في الشارع أيضا، على الأقل لتقوم بواجبها في حفظ الأمن والنظام والمحافظة على سلامة المواطنين وممتلكاتهم ومصالحهم، وإذا أرادت يمكنها إستثمار المناسبة للتواصل المباشر مع هموم مواطنيها وإهتماماتهم أو قراءة المشهد الإجمالي للشارع بدون تجميل او تضليل، من هنا تأتي ضرورة فرز المواقف غثها وسمينها، وأهمية تحديد المطالب المحقة بدقة وواقعية وابراز مشروعيتها وتوجيهها للجهة المعنية بالاسلوب الحضاري المناسب، بما يساعد على تحسين فرص الاستماع إليها وتلبيتها، اما الفئات المتسللة العابثة التي تقيم وزناً لدولة او نظام او حقوق، فالقانون وأدواته العادلة يتكفل بها، وليس لأحد غير الدولة ان يدعي انه يملك الشارع أو جزء منه او شرعية تنظيم وإدارة شيء من الشأن العام او شعبية تكفي لإحداث التغيير غير متوافق عليه او فرض برامج أو أجندات خاصة، واذا حصل كما حصل في بعض الدول، فهو تقصير من الدولة ذاتها في الإستعداد أو في القدرة على إدارة الأزمات، مما سمح للشارع ان يتحول إلى حفرة كبيرة إبتلعت الدولة والمتنافسين عليها، فاذا كان للدولة أن ترفض، وهذا من حقها، تطاول الشارع عليها أو إستخدامه خارج القانون، فإن عليها، وهذا من واجبها، الإستماع لمطالب المواطنين وتصنيفها ومعالجتها بالشكل المناسب، حتي تبقى مُمْسِكة بزمام الأمور وسيدة الموقف كما يجب، وإلا، لا أحد يمكنه الوثوق بعواقب اللجوء الى الشارع، او الخطأ في إستعماله أو التعامل معه، لأنه سلاح ذو حدين.
يستطيع الاردنيون من بين العرب، ان يتفاخروا بوعيهم وحكمة قيادتهم وكفاءة اجهزتهم، وكيف استطاعوا إجتاز ثماني سنوات عاصفة من الربيع العربي، مثقلة بالتحديات السياسية والأمنية والاقتصادية، دون ان يقعوا في شراكها، بل تعلموا منها واستخلصوا اثمن الدروس والعبر، وقد نجحوا باقتدار في توظيفها للحفاظ على السلم الأهلي، وتطويق محاولات التأثير والاختراق، ولا يحتاج الوضع القائم الى جهد استثنائي، حتى يدرك الجميع ان المهمة لم تكتمل بعد، وان الثقة بالنفس وبالدولة وقدراتها، يجب ان تبقى في أوجها، وان يبقى الإنتباه مركزاً على التطورات القريبة والبعيدة من حولنا، وان يتكاتف الجميع لضبط ايقاع حركتنا الداخلية، على ضوء تجارب الآخرين في التعامل مع الشارع، التي اثبتت خطأ الركون الى المسلمات او الرهان على الوعود او حتى التعهدات، وان يكون رهاننا الوحيد والمضمون، هوالتفاف الأردنيين جميعا، حول قيادتهم ووطنهم، واستعدادهم كل من موقعه، لسد الثغرات بالعمل الجاد المتقن، على اساس الكفاءة والمسؤولية..
سفير متقاعد
الشارع سلاح ذو حدين!!
11:00 14-12-2018
آخر تعديل :
الجمعة