احتجاجات (السترات الصفراء) على فرنسا معولمة

تاريخ النشر : الأحد 11:00 9-12-2018
حسن أبو هنية

لم يدر بخلد أحد أن احتجاجات نشطاء «السترات الصفراء» التي بدأت عشية سبت 17 نوفمبر الماضي ضد سياسة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سوف تتوسع وتمتد وتتجاوز مطالبها التراجع عن قرار رفع أسعار الوقود الذي تراجعت عنه حكومة ماكرون فعلا، فنجاح المتظاهرين أفضى إلى نشر أكثر من ٤٠ مطلبا، وجب على الحكومة تنفيذهه لتتوقف الاحتجاجات، وتتمحور المطالبات حول ثيمة الإقصاء والتهميش ودينامية العولمة المتوحشة، وصلت بعض المطالب حد المطالبة بخروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي وبلغ مداها المطالبة بإقالة الرئيس الفرنسي ماكرون، الذي حملوه مسؤولية التوتر الذي يسود البلاد بسبب سياساته المعولمة.

يعكس نشطاء «السترات الصفراء» نمطا من الحركات الاجتماعية اللامؤسساتية التي برزت مع ديناميكية العولمة مع الثورة في حقل الاتصال وشبكات التواصل، فتحت رمزية السترة الصفراء والمعدَّة أصلًا لتنبيه السائقين إلى من يلبسها تحت ظلمة الليل، خرج المحتجون من كل الضواحي، كتنبيه فاقع ضد وحش العولمة، ومنذ بداية الاحتجاجات ضد سياسة ماكرون رفض النشطاء أن يتحدث هذا الشخص أو ذاك باسمهم.

ومع احتداد المظاهرات الاحتجاجية التي تجري كل يوم سبت في باريس ومختلف مدن فرنسا الأخرى خلقت مظاهرات السترات الصفراء الحدث في باريس حين خرجت جحافل المحتجين فملأت طول شارع الشانزليزيه، متقدمة نحو القصر الجمهوري، منادية برحيل ماكرون، حيث بلغ عددها في أول سبت 8000 متظاهر، بينما كان عدد رجال الشرطة يقلهم بقليلـ وسرعان ما أخذت الاحتجاجات طابعا عنيفا حيث جرت صدامات بين رجال الأمن والمحتجين، في مواجهات دامية استعمل فيها الطوب والعصي والقنابل المسيلة للدموع، وخلفت جرحى من كلا الجانبين.

الحركة الاحتجاجية لم تتوقف كما كانت تأمل حكومة ماكرون، بل امتدت وتوسعت وبدأت مفاعيل «الدومينو» تتجاوز حدود فرنسا إلى دول الاتحاد الأوروبي،فاحتجاجات «السترات الصفراء» انتقلت إلى بلجيكا وهولندا، حيث خرج المئات في بلجيكا مرتدين «سترات صفراء» تأسيا بالحركة الشعبية في فرنسا وقطع المتظاهرون الطريق السريع الواصل بين فرنسا وبلجيكا، وانتقلت الحركة الاحتجاجية أيضا إلى هولندا.

في رابع سبت ٨ ديسمبر الماضي أعلن وزير الداخلية الفرنسي، كريستوف كاستانير مساء عن مشاركة 125 ألف متظاهر من السترات الصفراء في عموم فرنسا، من بينهم 10 آلاف متظاهر في باريس، وامتدح الوزير كاستانير إنجاز قوات الأمن التي كانت في حدود 120 ألف شخص، إذ أضيف إليها رجال الإطفاء والإسعاف، وكشف كستانير الأحد 9 ديسمبر الماضب، أن عدد الموقوفين خلال احتجاجات «السترات الصفراء» في البلاد ، بلغ 1726 شخصا، في حين تم وضع 1220 منهم قيد الاحتجاز، وقد أدت الاشتباكات إلى جرح 118 شخصًا من المتظاهرين، «لا تدعو جروحهم للقلق الشديد»، كما جرى في يوم السبت الماضي، بالإضافة إلى 17 من رجال الشرطة، وقد علقت ناتاشا بولوني، الصحفية الفرنسية المعروفة، على الأمر قائلة: «كان من المفزع مشاهدة رجال الشرطة يطاردون المحتجين من أماكن دون تأمينها، ليعود إليها هؤلاء من الممرات المجانبة للشارع». مبينة أن هذا ما خلف مزيدًا من العنف والصدامات، التي دامت طول اليوم.

تعبر احتجاجات السترات الصفراء عن عمق هشاشة الوضع في فرنسا الهامش، أي مجمل فرنسا خارج المتروبولات الكبرى، وهو وضع يؤسس لصيغة جديدة من التناقض الطبقي القائم بالبلاد، والذي يقسمها إلى فئتين متصارعتين، حيث يصف كريستوف جيليي، السوسيولوجي والجغرافي الفرنسي، حالة الهوامش الحضرية في بلاده، على أنها المجال الجغرافي الذي تندر فيه فرص الشغل، والذي يعرف النسبة الأكبر من البطالة، وكذا المحروم من اهتمام الحكومة رغم أنه يشكل نسبة 60% من السكان، الذين يشكلون غالبية الكتلة الناخبة في البلاد، فالوضعية الهامشية في فرنسا حسب سفيان البالي في مقاله «انتفاضة السترات الصفراء الهامش في مواجهة فرنسا المعولمة» لا تقتصر على سكان القرى النائية فقط، بل تشمل سكان ضواحي المراكز الحضارية الكبيرة، الذي يشكلون طبقة اجتماعية جديدة، تجمع الفلاحين والعمال، العاطلين والمياومين، الشباب والمتقاعدين، كنتاج للسياسات التي انتهجتها الدولة الفرنسية، والتي ركزت اهتمامها التنموي على المراكز الكبرى، مخلفة فئات محرومة على الهامش. إذ يضيف جيليي: «إن سياسة العولمة الاقتصادية، والتي انتهجتها الحكومات المتعاقبة على حكم فرنسا من ثلاثين عامًا، كانت دائمًا في خدمة نخبة المتروبولات الكبرى، هؤلاء الذين هم في معزل عن الحرمان الاقتصادي والبطالة، لكن البلد لا يتلخص فيهم، بل هم أقلية في مقابل الفئة الثانية».

يجسد الرئيس ماكرون نسخة عولمية بائسة حسب ا أووين جون في مقال نشر في صحيفة «الغارديان البريطانية» في إبريل الماضي بعنوان «قناع الوسطية الزائف لماكرون نسخة بائسة من مارغريت تاتشر» مستشهدًا بمواقفه اليمينية تجاه اللاجئين والضرائب والتفاوتات الاقتصادية، فهو يخفض الضرائب على الأثرياء، ويهاجم حقوق العمال ويُظهر اللاجئين على أنهم شياطين، وقد غرد ماكرون آنذاك على موقع تويتر مُتبعًا نهج دونالد ترامب، واصفًا العمال المُحتجين على فقد وظائفهم بأنهم «مُتكاسلون» و»لا يفعلون شيئًا»، إذ يعيد ماكرون توزيع الثروة على من يملكون الكثير منها بالفعل، بينما يعتدي على حقوق العمال والنموذج الاجتماعي الذي حققته فرنسا بشق الأنفس. وقد منحت تغييراته الضريبية المئات من الأسر الأكثر ثراءً، أكثر من نصف مليون يورو سنويًا: إذ استحوذت الشريحة الأغنى في البلاد التي تصل نسبتها إلى 1% على 44% من الإعفاءات الضريبية الجديدة.

في حديث مطول لأسبوعية «لوبوان» الفرنسية، في يوليو 2017 كشف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن الخطوط العريضة المتعلقة بسياساته التي وعد بتطبيقها عندما يصل للسلطة. فقال ماكرون إنه «يتبنى خطاب الحقيقة والبراغماتية» لمخاطبة زعماء العالم، كما تطرق لموضوع مكافحة الإرهاب كأهمية قصوى في سلم أولوياته، والإصلاحات الاقتصادية التي يعتزم إجراءها على كافة الأصعدة، وبحسب بيان للإليزيه ثمة ثلاثة محاور كبرى: «الإصلاحات الهيكلية التي تمت مباشرتها (قانون العمل ونظام التقاعد ومساعدات البطالة)، والخيارات بالنسبة للميزانية من أجل ترميم قدرة فرنسا الاستثمارية، واستعراض خارطة العمل لكل من الوزارات خلال الولاية الرئاسية» وكان ماكرون قد تحدث عن المحاور الثلاثة الرئيسية التي ستقوم عليها الدبلوماسية خلال عهده وهي: «الأمن، الاستقلال، ونفوذ فرنسا في الخارج»، كما قال إن محاربة «إرهاب الجماعات الإسلامية المتطرفة» ستكون أولوية هذه الدبلوماسية.

لا جدال أن احتجاجات «السترات الصفراء» تعبر عن دينامية لمواجهة ديناميكية العولمة، فحسب محمد البورقادي في مقاله «العولمة كسيرورة إنتاج لسياسات الطرد والإقصاء الاجتماعي»، فإن العولمة في عصرنا الحديث بقدر ما ساهمت في تعبيد الحياة وتطويعها لتخدم الصالح العام ، بقدر ما أدت إلى تعولم الفقر والعنف وتدويل الظلم والقهر على العالم، فهي سيرورة لكنها سيرورة مليئة بالتناقضات والمفارقات حيث أنها انحيازية تخدم مصالح الطبقات العليا وبالأخص الجهات المستعمِرة على حساب استنزاف ثروات البلدان الناميةـ وعبر فتح المجال واسعا أمام حركات التدفق والتبادل العالمية بواسطة تحرير الاقتصاد والتنافسية على مستوى العالم لن يستفيد من هذا التحرير إلا ما يعرف بالمتروبولات بتعبير بيير ڤيلز، وهاته المتروبولات هي عبارة عن شبكة عالمية من المدن ذات مستوى عال من التضامنات المحلية تستحوذ على جل رؤوس الأموال والإستثمارات والخدمات بما يتيح لها إمكانية أكبر لتوسيع أسواقها وبالتالي تركيز هيمنتها وقوتها وقيادتها على مستوى العالم ، تلك المتروبولات هي بمثابة أرخبيل ميكالوبوليتاري يحوز على أكبر نسب الإنتاج واحتكارات الربح العالمية وينتج تبعا لذلك نوع من اللاتكافئات بينه «عن طريق شبكاته الاتصالية»، وبين المدن الأخرى التي تفتقر وتهمش نتيجة لضعف احتكاراتها وقلة فرص استقطابها للخدمات ولرؤوس الأموال.

قد تنتهي احتجاجات «السترات الصفراء»، لكنها طرحت رمزيا وواقعيا سؤال الهوامش في سياق العولمة، وهي تبعث تنبيها قويا واضحا باللون ا»لأصفر» قد يتحول إلى «الأحمر» يتناسب مع عنف العولمة، فقد كان للعولمة أثر كبير في سيرورة التحضر التي تعرفها المجالات الترابية على مستوى العالم والتي بقدر اندماجها في العولمة بقدر تحضرها وفي هذا السياق تجيب ساسكيا ساسين عن فرضية بناء هذا التحضر على مستوى المدن بما يعرف بالفصل المجالي، وهو نوع من التقسيم الاجتماعي للمجال. هذا التقسيم يتجلى في ظاهرتين متوازيتين هما البرجزة الحضرية والتثنية الحضرية، فالأولى تتواجد بكثرة في المدن الكبرى وهي مرتبطة اقتصاديا بارتفاع طبقة على حساب طبقة أخرى، ذلك أن الفئات الاجتماعية ذوي الدخل المرتفع تحتل مراكز المدن وتطرد منها الفئات الأقل دخلا، أما الظاهرة الثانية، فتتمثل في احتكار الطبقة العليا للمباني ذات القيمة العالية بما يضطر الفئات الهشة إلى قصد الهوامش المدينية، وبالموازاة مع ظاهرة البرجزة هناك كذلك ظاهرة التهميش الحضري الذي يتجلى في طرد الطبقات الشعبية من مراكز المدن وتجميعها في الضواحي، بينما أصحاب الدخول المرتفعة يتمركزون وسط المدينة. فالعولمة ساهمت بحسبها عن طريق سياساتها المدينية في إقصاء وطرد الطبقات الفقيرة وحرمانهم من ثروات المجتمع وذلك جاء نتاج التحولات الراهنة للرأسمالية التي بقدر ما ساهمت في إثراء فئة بعينها بقدر ما أدت إلى القضاء على فئات أخرى.

بناء على ذلك يجب أن تضع كل دولة الخطط الكفيلة بإدارة الدخول في العولمة، لإحداث نوع من المساواة الاجتماعية من جانب، وحتى لا ينهار اقتصادها من جانب آخر. ولا ريب في أن انسحاب الدولة بكل خصائصها، التوزيعية، والحمائية، والرفاهية، والحارسة، والعناية في المجتمع الحديث أدى إلى بروز القطاعات اللارسمية. إن نظام العولمة الإنحيازي أسهم بكثير في خلخلة النسيج الاجتماعي وأعاد إنتاج النسق الاجتماعي التي تهدف إلى نشر قيم الليبرالية الجديدة ، وهذه العولمة التي بقدر ما أدت إلى نماء الرساميل المادية والرمزية عند الفئة النخبوية، بقدر ما عمقت التفاوتات الاجتماعية للفئات الفقيرة مما أسهم في إنتاج مختلف التوترات داخل النسق الاجتماعي العالمي.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }