كل شعب، من شعوب الأرض، وكل أمة من أمم الكون الممتد الأطراف والعامر والجامع للجنسيات والأعراق والقوميات.. معرض لحالات من الغضب غير المؤطر والتوتر والعصبية، فتذهب به»إن استفحلت وأغلقت بوجهه الآفاق»نحو الفوضى والتدمير، وبالطبع هذه الفرضية ليست بمنأى عن أي شعب، وأي أمة مهما اكتسبت، من حضارة وتقدم ورقي في السلوك والتفكير والنهج،..أو من ظلت مكانها تتمترس في التخلف والأمية والجهل وبالتالي يكون الركوب في المسار الحضاري العصري عصي عليها ومنفر.
استهلال لا مفر منه، ونحن بصدد قراءة عجولة في أحداث فرنسا»الصديقة العظيمة»أو فرنسا» الأم الرؤوم» كما يحلو لبعض اللبنانيين، أن يطلقوا عليها هذه التسمية.. فتضعنا وتضع الشعب الفرنسي العظيم في سياق هذه الفرضية الهجين وهذه المعادلة المقيتة.
لكن، الذي جذبنا واغرانا للغوص، فيما يجري هناك في فرنسا وفي عاصمتها وفي أرقى شوارعها ومدنها.. المقارنة الواجبة بين حراكنا، ربيعنا الأردني تخصيصاً، الذي تعفف منذ البدء عن الايغال في الدم والغرق في الفوضى والتخريب، والحراك العربي عموماً الذي في أغلبه، استهوى الدم والتشريد والتهجير وخراب البيوت والقتل العشوائي والتدمير.
من هنا، تجوز المقارنة والمقارنة، ويجوز أن نقول،»أين الثرى من الثريا».. أين حراكنا من حراك شعب»أم الثورات»،.. فلدينا، أنموذج حضاري متقدم لمشعلي شعلة الحريات لا مشعلي الحرائق في الساحات والبنايات..
وفي الوقت، الذي لا يبدو أن في الأفق طاقة فرج للرئيس الفرنسي»ماكرون» الذي هو أيضاً «رئيس حزب إلى الأمام» في البدء والاشتراكي ثانياً والليبرالي الاجتماعي ثالثاً والديموقراطي الاشتراكي رابعاً والمرتبط سياسياً مؤخراً بنهج الطريق الثالث الذي يتزعمه كلينتون وبلير... لا يبدو أنه قادر على الخروج من الأزمة بقدر رغبته، في الإبقاء على فتيل الانفجار الإبقاء بالتالي على الزيادة في الأسعار والرسوم المثيرة أصلاً للغضب الفرنسي لا غيره، ولا يبدو أنه راغب في البحث عن الحلول للتجاوب مع المحتجين وبالتالي فمهمته صعبة للغاية إذ عليه إقناع المحتجين أنه أصغى لغضبهم أولاً، ولكن دون الاستسلام لهم وتحقيق مطالبهم.
وعلى الجانب الآخر، يبدو أيضاً أن المتربصين بفرنسا وسياساتها في «عهد ماكرون» وهم كثر وعلى قاعدة الأخذ بالثأر وعلى رأسهم ترمب يجددون الضغط على الرئاسة الفرنسية وبالتالي لا يريدون خيراً لفرنسا ويتحركون لمزيد من إشعال الحرائق مستغلين حركة التعبئة التى دعت إليها حركة «السترات الصفراء» في الشوارع وفي المدن... وعلى خلفية المعاملات التجارية والنفقات العسكرية مع الاتحاد الأوروبي ومع العدو اللدود.. الولايات المتحدة الأميركية.
أما الملفت للانتباه، فهو تداول وكالات الأنباء الدولية ومحطات التلفزة اللافت... أن الجمهورية الخامسة «فرنسا» وأن قوات القمع فيها تتعامل مع الجنس اللطيف بقسوة وعنف مفرط وخشونة زائدة.. في زمن الاحتفال العالمي بالحد من العنف ضد المرأة، وفي وقت أن شوارع باريس الغارقة دائماً بالورود والعطور هي الآن وعلى غير العادة تشتم روائح الدم والحرائق بينما نحن، في حراكنا وفي نسخه المتعددة لم ننزف قطرة دم واحدة وكنا نتبادل القبل مع رجال الأمن والحماية وزجاجات المياه والورد أحياناً.
اللهم، لا شماتة بل الأمر واجب المقارنة والفخر بالمنجز الأمني الأردني وبحراكنا الأنظف وإنسانيتنا الأرقى وحلمنا الواسع وصدرنا الأوسع وعقولنا الأنضج.