كتاب

تنامي سياسة العسكرة وأفول نزعة الأنسنة

تنامي سياسة عالمية داروينية جديدة ترتكز إلى تمجيد قيم «القوة» والقسوة والبطش مع بروز نزعة «العسكرة»، في الوقت الذي تتراجع فيه قيم «المحبة» ونزعة «الأنسنة»، حيث تتشوه فضائل اللطف والرحمة والتعاطف، ويغدو الانتصار والفوز بأي وسيلة ممكنة الفضيلة الكبرى والغاية المنشودة والهدف الأسمى، وثمة قناعة باتت واسعة الانتشار أن العالم يتجه نحو مزيد من العنف والتطرف وبروز أنماط من الحروب الجديدة المدمرة تتجاوز صراعات «الحرب الباردة»، وأنساق «حرب الإرهاب».

إن تنامي سياسة العسكرة وأفول نزعة الأنسنة تنطوي على رؤية داروينية جديدة، تتجلى في سباق تسلح عالمي غير مسبوق وتطوير تقنيات الحرب والموت وتراجع أجندة السلم والحياة، ولا يقتصر سباق التسلح على الدول الكبرى، وإنما يطال معظم الدول في العالم، ويبدو أن الولايات المتحدة رائدة في تأسيس «برادايم العسكرة»، وتشكل نموذجاً إرشادياً لبقية دول العالم للدخول في حقل «صناعة الموت»، وقد ارتفعت ميزانيات التسلح في كافة أطراف المعمورة في مواجهة عدو «إنساني» متخيل يجسد الشر تحت ذريعة حماية «إنسان» متخيل آخر يمثل الطيبة.

في هذا السياق لم يكن غريباً أن ترتفع ميزانية الدفاع الأميركية الجديدة لعام 2019، بصورة غير مسبوقة في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي وقع في الثالث عشر من آب الماضي على أضخم ميزانية دفاعية ــ وهي تسمية مضللة ــ وتقضي الميزانية الجديدة بضخ حوالي 716 مليار دولار في الإنفاق العسكري، حيث يعد هذا الرقم الأكبر في تاريخ وزارة الدفاع الأميركية، وهي تزيد بنسبة ثلاثة في المئة على الميزانية العسكرية للعام 2018، وقال ترمب «إن الميزانية ستؤمّن للعسكريين الأميركيين القوة النارية التي يحتاجونها في أي نزاع، لتحقيق نصر سريع وحاسم»، وتولي الميزانية اهتماماً عالياً بتحديث فروع الجيش الأميركي، بما فيها القوات الاستراتيجية، وكذلك زيادة عدد الأفراد، فضلًا عن عسكرة الفضاء، إذ لا يكفي أن يكون هناك وجود أميركي في الفضاء حسب ترمب، بل «يجب أن تكون هناك هيمنة أميركية عليه».

تؤكد الميزانية الجديدة وتدعم تنفيذ بنود «الاستراتيجية الدفاعية الجديدة»، والتي أعلنها وزير الدفاع جيمس ماتيس، في 19 كانون الثاني 2018، والتي حملت بنودها الأساسية واستراتيجيتها الواضحة، نزعة هجومية تنافسية حادة دون مواربة، مع القوى الدولية الصاعدة، خاصة روسيا والصين، بجانب بعض الفاعلين الإقليميين كإيران وكوريا الشمالية، وكان الرئيس دونالد ترمب في 18 كانون اول 2017، قد أعلن عن «استراتيجية الأمن القومي»، التي أكد فيها أن الولايات المتحدة تدخل «عصراً جديداً من التنافس».

لم تكتف الولايات المتحدة بزيادة النفقات العسكرية بل واصل الرئيس الأميركي ترمب ضغوطه على دول الناتو، زيادة نفقاتها العسكرية، وقد وبخ ترمب حلفاء بلاده في التكتل العسكري لعدم إسهامهم بما يكفي لتمويل الحلف في الوقت الذي تحتفظ فيه تلك الدول بفائض تجاري مع الولايات المتحدة، وحسب معطيات الناتو للعام 2017، فإن الولايات المتحدة تكفلت لوحدها بـ 72 في المئة من ميزانية الحلف التي بلغت 921.5 مليار دولار العام المنصرم، إذ خصصت 664 مليار دولار للإنفاق العسكري، وفي الإطار المالي المتعدد للسنوات القادمة تقترح المفوضية الأوروبية زيادة الإنفاق على الدفاع والأمن إلى 27.5 مليار يورو، الأمر الذي سيشمل 2.4 في المئة من إجمالي ميزانيتها. وسيتم تخصيص 13 مليار يورو من هذا المبلغ لصندوق الدفاع الأوروبي على مدى السنوات السبع القادمة، وقد قال السكرتير العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) «ينس ستولتنبرج» إن وجود ناتو قوي يعد أمرًا جيدًا بالنسبة لأوروبا، مشيرًا إلى أن أعضاء الناتو قادرون على العمل سويًا على الرغم من اختلافاتهم. وأضاف ستولتنبرغ أنه من المتوقع أن ينفق الأوروبيون وكندا نحو 266 مليار دولار بحلول عام 2024.

لقد ارتفع حجم الانفاق العسكري العالمي إلى مستوى جديد منذ نهاية الحرب الباردة، ولا تقتصر نزعة العسكرة وتنامي الميزانيات الدفاعية على دول الناتو، فحسب إحصائيات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام في تقريره الذي نشر في 2 ايار الماضي، فإن الصين والهند والسعودية في مقدمة الدول، التي ساهم حجم إنفاقها الدفاعي في زيادة حجم الإنفاق العسكري عالمياً خلال عام 2017، وتعد الصين ثاني أكبر دولة في الإنفاق العسكري، حيث تنفق 228 مليار دولار، بنسبة 5.6 في المئة من الناتج المحلي عام 2008، لكن تلك النسبة ارتفعت إلى 13 في المئة عام 2017، وتعتزم الصين زيادة إنفاقها الدفاعي بنسبة 8,1 بالمئة عام 2018، ما يعزز ميزانيتها العسكرية أكثر من العام السابق، ورفعت السعودية، إنفاقها العسكري بنسبة 34.2 بالمئة، وخصصت الحكومة السعودية قرابة ثلث موازنة العام 2018، أي 31.8%، للقطاعين العسكري والأمني، أي ما يعادل قيمة 83 مليار دولار.

أحد المفارقات الكبرى أن تنامي نزعة العسكرية الأميركية يأتي بذريعة نشر «الأنسنة»، وكان نعوم تشومسكي قد أطلق على أحد كتبه عنوان «النزعة الانسانية العسكرية الجديدة»، وكذلك فعل أندرو باسفيتش، لكن تشومسكي يضع لفظة «الانسانية» بين مزدوجتين، في سياق تهكمي على منظومة «المبادئ والقيم» التي نظّر لها المحافظون الجدد لتبرير كافة المذابح والآلام التي ترافقت مع الغزو الأميركي للعالم، فيما يستغرب أندرو باسفيتش نزوع الأميركيين الى تبرير الحرب باسم النزعة الانسانية.

إن تنامي العسكرة يبشر بأفول الأنسنة وبروز أنماط جديدة من سياسات الموت، وحسب الفيلسوف والعالم سياسي الكاميروني البارز أشيل مبيمبي، فإن «عصر الإنسانويّة ينتهي»، حيث ستظلّ غزة، التي تحتلّها إسرائيل منذ عقود، أكبر سجن مفتوح على الأرض، وستستمر الشرطة في الولايات المتحدة بقتل السود بلا هوادة. وسينضم مئات الآلاف إلى أولئك القابعين في المجمّع الصناعيّ-الاعتقاليّ الذي أعقب أنظمة عبوديّة المزارع وقوانين «جم كرو»، وستستمر أوروبا في انحدارها إلى السلطويّة الليبرالية، أو ما سمّاه المنظّر الاجتماعي ستيوارت هال: الشعبويّة السلطويّة وعلى الرغم من اتفاقيات معقّدة تم التوصل إليها في محافل دوليّة فسيستمر التدمير البيئي لكوكب الأرض، وستتحول الحرب على الإرهاب، أكثر فأكثر، إلى حرب فتّاكة بين أشكال مختلفة من العدميّة، وستزداد اللامساواة في أرجاء العالم، لكن بدلاً من إذكاء حلقة جديدة من الصراع الطبقيّ، فإن الصراعات الاجتماعيّة ستأخذ أشكال العنصريّة، والقوميّة المتطرّفة، والتعصّب الجنسي، والصراعات الإثنية والدينيّة والعنصريّة، ورهاب الأجانب، ورهاب المثليّين، وهيجانات أخرى قاتلة.

خلاصة القول «إن أفراد الإنسانية أصبحوا عن بكرة أبيهم يدورون في فلك الموت»، حسب عبارة أستاذنا الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن، وبانتصار مقاربة داروينيّة جديدة لصناعة التاريخ حسب أشيل مبيمبي، سيعاد نظام التفرقة العنصريّة بأقنعة مختلفة على أنّه المعيار القديم الجديد. وستهيئ إعادته الطريق لنزعات انفصاليّة جديدة، ولبناء المزيد من الجدران، ولعسكرة المزيد من الحدود، ولصيغ فتّاكة في مجال الأمن، والمزيد من الحروب غير المتكافئة، وفسخ التحالفات، وانقسامات داخلية لا تحصى حتى في الديمقراطيّات الراسخة، وعلى الرغم من مفارقة النزعة الإنسانية وتلبسها بتاريخ من الممارسات اللا إنسانية، فإنها تشكل الملاذ الأخير للبشرية، ولذلك فقد اعتبر المفكر الراحل الكبير إدوارد سعيد في آخر مقالاته أن الإنسانوية هي متراسنا الوحيد، إن لم يكن الأخير، في مواجهة السياسات اللاإنسانية والمظالم التي تمسخ تاريخ البشرية.

hasanabuhanya@hotmail.com