كتاب

حريّة بدينارين..!

يجوز للمحكمة في الأحكام الجزائية الجنحيّة التي لا تتجاوز مدة السجن فيها ثلاثة شهور إستبدال الحبس بالغرامة بواقع دينارين عن كلّ يوم.

و المفارقة المذهلة أن كُلفة السجين على الدولة تبلغ ( ٧٣٠ ) ديناراً شهريا وفقاً لآخر إحصائية بما يعادل ( ٢٥ ) دينارا لليوم الواحد تقريبيّاً أي أكثر من عشرة أضعاف العقوبة عند الإستبدال ، و كأنّ المُعاقَب هُنا هو الدّولة لا مُرتكب الجُرم.

الغاية من هذه الإشارة ليست المقابل الماديّ بل التّساؤل حول مفهوم العقوبة و الهدف منها ، فلا الرّدع الخاصّ للفاعل و لا الزّجر العامّ للمجتمع يتحقّقان بهذا البدل الزهيد كما أنّه لا منطق في بلوغ أدنى مخالفات السير أربعة أضعاف يوم حُرّيةٍ يساوي ثمنه علبة سجائر ! فأيُّ ردع هو ذاك المبحوث عنه و أيُّ زجرٍ هو المرجوّ و كيف يستوي ذلك مع مبدأ تدرّج العقوبة و الجنحةُ المُستبدل حبسها أكثر خطراً و أعلى مرتبة من المخالفة وفقاً لقواعد القوانين الجزائيّة ؟

و إنّي واثقٌ من أن بدل الـ( دينارين ) كان يساوي عندما أُقِرّ قيمةً نسبيّةً عاليةً عند المُكلّف بأدائه ممّا يرقى به إلى وصف العقوبة و يحول دون إرتكاب الجُرم إبتداء.

و لا يفوتنا أن تحريك معظم الدعاوى الجنحيّة موقوفٌ على شكوى من المُتضرِّر ( المشتكي ) الذي تكبّد أضعاف هذا المبلغ في ذهابه و إيابه من و إلى المحكمة أو في أتعابٍ دفعها لمُحامٍ يتابع قضيّته ، فأين العدل في هذا أيضاً ؟

رفعت التعديلات الأخيرة الواردة على قانون العقوبات بدل الغرامة بالحبس إلى عشرة دنانير أي إذا كان الحكم بالغرامة و لم يسددها المحكوم عليه يسجن بمقابل كل ( ١٠ ) دنانير يوماً واحداً–و ما زلنا ندور في فلكٍ تفوق فيه كلفة السجن مبلغ العقوبة–، لذا فالأسلم و الأكثر منطقيّةً أن يستوي الحُكمان على الأقلّ عند إستبدال الحبس بالغرامة أو الأخيرةُ بالأَوّل !