جلالة الملك عبدالله الثاني يتسلم جائزة تمبلتون تقديرا لجهود جلالته في تحقيق الوئام بين الاديان... هذه الجائزة التي تمنحها احدى اكثر المنظمات تقدمية لما تقوم عليه من مبادئ وما ترعاه من جهود علمية وتصورية للاجابة على الاسئلة الكونية المحيرة للعقل البشري... رؤية هذه المنظمة تتمحور حول التقدم والتطور في الفكر الروحي والديني لما فيه من خدمة لتطور البشرية وتحقيق الحرية الشخصية للافراد والسلام بين المجتمعات... جون تمبلتون مؤسس هذه الفكرة اراد من مؤسسته دعم البحوث والافراد القادرين على تحقيق قفزة نوعية في فهم العالم الروحي والفكري الانساني تماما كالقفزة النوعية التي حققتها البشرية على الصعيد العلمي وتمكنها من ايجاد الحلول والاجوبة التي ساهمت في خدمة الانسان على كل الاصعدة.
انطلاقا من مبادئ هذه الجائزة ومعاييرها، يتبادر الى الاذهان القيمة العلمية والانسانية التي يمثلها القائد العربي المسلم، الذي تمكن من خلال تواصله الحضاري مع العالم ان يكشف الكثير عن اسرار اسس هذا التواصل ويفعلها ويوظفها في اطره الفكرية ومخاطباته مع ثقافات العالم وحضاراته.
المفارقة اليوم ان هذا القائد الملهم، بكل ما يحمله من افكار تقدمية وقدرة على التعامل مع الاختلاف ومجاراته استنادا الى اسس انسانية لربما تكون احد الاسئلة الرئيسية التي تسعى المنظمة الى الاجابة عنها، سيعود الى وطنه حاملا هذا التقدير محملا ايانا كاردنيين مسؤولية ان نستوعب اولا ضرورة تطور فكرنا الانساني والروحي، لكي نكون جزءا من حمل هذه الرسالة، مستندين الى الفكر الناقد المستنير القادر على تقبل الاخر المختلف واعطائه حقه في الاختلاف، واستيعابه ضمن مجتمع متنوع ومتعدد، يكون فيه البعد الروحي والديني مقوما للحالة الفردية والشخصانية لتسود حالة عامة من التفهم والتفاهم. فهل نحن مستعدون لاستقباله؟
استحق جلالته هذه الجائزة عن جدارة، كما يستحق تماما ان يكون مثالا يحتذى به، ويكون لشعبه ومسؤولي وطنه المنارة الفكرية التي نستنير بانفتاحها ووسع مداها. نحن اليوم كأردنيين نشعر اننا نفتقد جزءا من هذه الحالة الانسانية وان كانت الاحداث التي تعكر صفو هذه الحالة الفكرية صادرة عن حالات فردية لا يمكن تعميمها على المجتمع الا ان من الواجب ومن الضروري الوقوف على اسباب هذه الظواهر وتسليط الضوء على خطورة ما يشكله الفكر اللاتقدمي من اثر على مجتمعاتنا التي لا تتلقى من التعليم حول الاساليب الفكرية الحديثة ما يكفي لتواجه الافكار الظلامية بل يختار معظمها البقاء في فكر مظلم لا يحاكي الزمن ولا الواقع كما انه لا يرى في الاختلاف سببا للتنوير بل تهديدا للوجود.
نفتقد الى جانب هذا النوع من التعليم الى كفاءات بشرية تؤمن بهذه القيم، قادرة على التواصل مع المجتمعات انطلاقا من مبادئهم الفكرية واسلوب حياتهم ومنطقهم، للتمكن من الاخذ بيدهم للوصول الى هذا المستوى من التفكير العصري الذي يقوم على التحول من الحكم على الاخر من المنظور الشخصي او الهوية الى المنظور النسبي الذي يرى في كل هوية مهما اختلفت معنى نسبيا وحقا انسانيا في الوجود والبقاء.
العالم الحضاري والمتطور اليوم يحتفل بالانجازات الانسانية والروحية التي تمكن العالم من ان يصبح مكانا افضل للانسان. الانجاز اليوم لا يقتصر فقط على الصعيد العلمي والتقني. اما ان يكون هذا الانجاز قد تحقق من هذه البقعة من العالم من شخصية تمثل قيمة دينية وسياسية وفكرية فهو انجاز يستحق الوقوف عنده وتفعيله ليصبح ارضية انطلاق للحالة الفكرية الجديدة التي يتطلع لها اي مجتمع معاصر.