كتاب

نحو مبادرة وطنية لاحتواء مخاطر السيول

داهمتنا السيول بقسوة مرتين هذا العام، وموسم الشتاء ما زال في بدايته، ولم تكن هذه المرة الاولى ولن تكون الاخيرة على الاغلب، كانت الخسائر مؤلمة وثقيلة في الأرواح، والممتلكات والارزاق، رحم الله الشهداء وكان في عون المتضررين وعوضهم خيرا عن فقدهم، وقد عبر الشعب الأردني الاصيل عن حزنه واسفه على ما حصل، ورفع البعض صوته بالنقد وبالاتهام بالتقصير احيانا، وتلقت الحكومة الجزء الاكبر من اللكمات وشحنات الغضب، وخرجت، بصعوبة من الاشتباك، وقد دفعت الثمن من اعضائها وسجلها المهني والآمال المعقودة عليها.

اليوم، وبعد ان هدأت النفوس نسبيا، واخذت اللجان البرلمانية والحكومية فرصتها، في اطار دورها الدستوري والوظيفي، لتصل الى نتائجها في حدود المألوف والمنتظر، ربما اصبح بالامكان الارتقاء الى مستوى المبادرة الشعبية العملية، مبادرة من خارج الصندوق، كما يقولون، مستمدة من نبض الشارع الاردني، الذي يطرح العديد من الاسئلة والتساؤلات، بحثا عن الحقائق بعد التحقيق وعلى الثقة بعد التشكيك وعلى الفعل بعد الانفعال، ومنها:

- هل يعقل ان تفاجئنا السيول كل مرة، دون ان نتمكن مجتمعين من احتوائها ووضع حد لهذه المشكلة، ولو على مراحل.

- هل نعتقد ان ما حصل لن يتكرر وان الطبيعة ستتوقف عن مناكفتنا واستفزازنا واختبار ذكائنا وعزيمتنا.

- هل يجوز ان نكتفي كل مرة بالتحسر على ما حصل وتوجيه اللوم للحكومة، دون تقديرالجهود التي بذلت، والحاجة لسد الثغرات المادية والفنية والادارية اينما وجدت، وبموضوعية طبعا.

- هل نعتقد ان مشكلة السيول، مع اهميتها، هي التحدي الأوحد والاخطر على طاولة الحكومة، وان لديها القدرة على توفير الحلول الكاملة والفورية لمشاكلنا.

- اليس للشارع الأردني، وهو صاحب المصلحة الرئيسية، دور في اقتراح الحلول والمساهمة بخبراته وامكانياته لتنفيذها.

من هنا وعلى قاعدة الاجابات الصريحة والشجاعة، يمكن اطلاق مبادرة وطنية لأحتواء مخاطر السيول، تقوم على مقاربة جديدة لمواجهة التحديات، جهد مشترك بين المؤسسات الرسمية وفعاليات شعبية تطوعية واسعة، بهدف انشاء اكبر عدد من السدود الصغيرة والحواجز الركامية والبحيرات الاصطناعية، في المنحدرات والوديان وممرات السيول. ليس من الصعب ايجاد جهة رسمية لرعاية هذه المبادرة، وتعبئة ما يلزم من تسهيلات حكومية ضرورية، اومساهمات متخصصة في حدود الممكن، مثل، توفيرالمسوحات الهندسية والتخطيط والتنسيق والاشراف، بينما يساهم المواطنون، كل حسب تخصصه وامكانياته، في حملة تطوعية شاملة، بجهودهم وخبراتهم او ادواتهم ومعداتهم، يوم عمل، او نسبة بسيطة من ارباحهم او منتجاتهم، وان يكون في مقدمة المتطوعين اوالمتبرعين، المؤسسات والشركات الكبرى والنقابات والجامعات والقادرين من رجال الاعمال والمغتربين، هذه الفزعة الوطنية ستبعث الروح الايجابية في عروق الشعب، والغيرة على الوطن، وتؤسس لثقافة جديدة من قيم المبادرة والمشاركة والتضامن، وتصرف البعض عن الكلام الى العمل المفيد والمنتج.

ماذا لو نجد انفسنا في العام القادم، وقد حجزنا ملايين الامتار المكعبة من مياه الامطار في برك اصطناعية، نستغلها في تغذية مصادر المياه الجوفية، وفي تلطيف البيئة وتنشيط الزراعة ومزارع الاسماك، وأماكن التنزه والسياحة، واخيرا، وقبل كل شيء، الحد من عنف السيول والمخاطر والخسائر المترتبة عليها.

سفير متقاعد