هل اقتربت مرحلة اندماج «داعش» و«القاعدة»؟

تاريخ النشر : الأحد 11:45 11-11-2018
حسن أبو هنية

بعد مرور قرابة خمس سنوات على انشقاق تنظيم»الدولة الإسلامية ــ داعش» عن تنظيم»القاعدة»والصراع الإيديولوجي الحاد والصدام العسكري الدموي على تمثيل الجهادية العالمية، تنامت التحذيرات وتصاعد القلق وتكاثرت التوقعات حول إمكانية عودة حالة الاندماج بين التنظيمين، وقد تواتر الخوف والقلق لدى العديد من الأجهزة الاستخبارية الدولية ومراكز الدراسات والأبحاث فضلا عن مجموعة من الخبراء والباحثين من إعادة الروابط والصلات بين»داعش»و»القاعدة» تتدرج من التعاون فالتحالف إلى الإندماج، الأمر الذي يضاعف من نمو الخطر «الإرهابي»عبر تأسيس نسخة»جهادية»أكثر خطورة وأشد فتكا وأوسع انتشارا.

تستند التحذيرات من سيناريوهات الاندماج بين»داعش»و»القاعدة»إلى حقائق واقعية وليست متخيلة، وتأتي المخاوف من جهات مسؤولة على دراية ومعرفة وخبرة واسعة في مجال محارية»الإرهاب»، وكان آخرها تحذير مدير مصلحة الأمن الفدرالية الروسية، ألكسندر بورتنيكوف، في كلمة القاها في السابع من تشرين الثاني الماضي في افتتاح أعمال المؤتمر السابع عشر لقادة الأجهزة الأمنية في موسكو، تحدث فيها أمام 125 وفدا من 80 بلدا و5 منظمات دولية وإقليمية (الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، منظمة شنغهاي للتعاون، رابطة الدول المستقلة، الجمعية البرلمانية المتوسطية)، وأشار إلى أن التقارب بين»القاعدة»و»داعش» يجري في المجال الإعلامي، حيث يعمل كلا التنظيمين، رغم الاختلافات الإيديولوجية المعلنة،»على نشر أفكار الإسلام الراديكالي وتجنيد أنصار جدد، مع استخدام أساليب وسبل متشابهة للتأثير الإيديولوجي، وإنشاء مجال إعلامي موحد وظيفته التعامل مع القاعدة المشتركة من مستخدمي الإنترنت».

أكد بورتنيكوف خلال المؤتمر على أن هناك بوادر لبدء التقارب بين تنظيمي «القاعدة»و»داعش»، محذرا من المخاطر الناجمة عن احتمال دمج قدراتهما، وقال بورتنيكوف أن الجمع المحتمل لقدرات تنظيمي»القاعدة»و»داعش» ظاهرة خطيرة للغالية تحمل في طياتها تبعات سلبية متنوعة، موضحا أن هناك بوادر للتقارب المحتمل بين التنظيمين الإرهابيين، وأشار إلى أن الحديث يدور عن تنظيمين متشابهين إيديولوجيا ويعتمدان على موارد بشرية مشتركة لتجنيد مسلحين جدد على الرغم من وقوع اصطدامات مسلحة بين التنظيمين الإرهابيين، فثمة حالات كثيرة من انضمام عناصر أحدهما إلى صفوف الآخر، سواء أكان ذلك بدوافع نفعية أو جراء تغيير الأوضاع الميدانية أو لأسباب أخرى.

لا جدال أن سيناريوهات الاندماج بين تنظيمي»القاعدة»و»داعش»، مرة أخرى مرجحة على المديين المتوسط والبعيد، فقد دخل التنظيمان في حالة من الاندماج سابقا، لكن إمكانية الاندماج على المدى القريب وفي الوقت الراهن مستبعدة، فقد اتخذ الصراع بينهما شكلا هوياتيا متطرفا حول تمثيل الإسلام بصيغته السلفية الجهادية ممثلا بتراث القاعدة وزعيمها التاريخي الراحل أسامة بن لادن، ولم تفلح محاولات الفرقاء في احتواء الحلاف وباتت سياسات القتل عملا روتينيا في بيان وجهات النظر، فداعش في نظر القاعدة تنتمي إلى فئة الخوارج المارقين، أما النصرة فتنتمي إلى فئة الصحوات العملاء بالنسبة لداعش.

ترتبط ولادة»داعش»وهي التسمية المختصرة لتنظيم الدولة «الإسلامية» في العراق والشام، بتمرد الفرع العراقي للقاعدة على القيادة المركزية للتنظيم بزعامة الظواهري، فقد جاء إعلان أبو بكر البغدادي أمير»الدولة الإسلامية في العراق» في التاسع من نيسان 2013 عن ضم «جبهة النصرة» في سوريا إلى دولته لتصبح «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، تتويجا حتميا للخلافات التاريخية بين الفرع والمركز والتي تم احتواؤها إبان زعامة بن لادن، وقد تطور الخلاف بعد أن أصدر زعيم»جبهة النصرة»أبو محمد الجولاني في اليوم التالي لإعلان الدمج في العاشر من نيسان خطابا يرفض فيه الامتثال للدمج والانضمام لـتنظيم»الدولة»، ومعلنا ارتباطه بالتنظيم المركزي للقاعدة وتأكيد بيعته الصريحة للظواهري.

إن الخلاف بين الفرع العراقي للقاعدة والتنظيم المركزي ليس جديدا، لكنه تدرج منذ بيعة الزرقاوي لبن لادن وصولا إلى»إعلان الدولة»، فأجندة القاعدة تهدف منذ الإعلان عن تأسيس»الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين» عام 1998إلى قتال الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا باعتبارها حامية للأنظمة العربية الاستبدادية، وراعية لحليفتها الاستراتيجية إسرائيل المغتصبة لفلسطين من جهة، والسعي لتطبيق الشريعة وإقامة الخلافة من جهة أخرى، فمواجهة الغرب ورفع الهيمنة الخارجية، والتصدي للاستبداد وتمكين الشريعة داخليا هما ركنا القاعدة الأساسيين.

أما أجندة الدولة الإسلامية في العراق والشام فتقوم على أولوية مواجهة النفوذ والتوسع الإيراني في المنطقة ومحاربة «المشروع الصفوي»، وخصوصا بعد رحيل القوات الأميركية عن العراق، فالأساس الهوياتي هو المحرك الرئيس لسلوك الفرع العراقي بينما الأساس المصلحي الجيوسياسي هو المحرك الرئيس للقيادة المركزية للقاعدة، أما تمكين الشريعة فهو الهدف المشترك للطرفين، إلا أن توقيت الإعلان عن قيام الدولة في العراق فجّر خلافات تم تجاوزها آنذاك نظرا للظروف الموضوعية والأسباب العملية، وساهم وجود بن لادن على رأس التنظيم بما يمتلكه من كاريزما على تدبير الاختلاف والتعايش الحذر، على الرغم من الانتقادات التي لم تنقطع لنهج وممارسة الفرع العراقي المتعلق بتكتيكاته القتالية من خلال التوسع في استخدام العمليات الانتحارية وتحديد دائرة الاستهداف.

لقد كسبت التحذيرات من سيناريوهات الاندماج بين»داعش»و»القاعدة» زخما كبيرا بعد صدورها من عدد من الهيئات الدولية المسؤولة والشخصيات المرموقة والمراكز البحثية الموثوقة، فقد حذر تقرير أممي أعده مراقبون تابعون للأمم المتحدة صدر في شباط 2018 من خطر اندماج تنظيمي القاعدة وداعش الإرهابيين، معتبرا أن الاندماج قد يلد شيطانا إرهابيا في شكل تنظيم جديد، وكان بروس هوفمان من جامعة جورجتاون، من أوائل من حذر من سيناريو الاندماج في مقالة في مجلة (فورين أفيرز) بتاريخ 29 اذار 2016 بعنوان «الاندماج القادم بين داعش والقاعدة: حان وقت أخذ هذا التهديد على محمل الجد»، توقع فيها أنه «بحلول العام 2021، ربما يعود تنظيما «القاعدة» و»داعش» إلى التوحد -أو أنهما يكونان قد دخلا في نوع ما من التحالف أو التعاون التكتيكي. ومع أنه لا يبدو وارداً تماماً في المدى القريب، فإن مثل هذا التقارب سوف ينطوي على الكثير من المنطق لكلتا المجموعتين، وسوف يؤدي بلا شك، وفق محلل استخبارات أميركي مطلع بشكل مخصوص، كنت قد سألته عن مثل هذا الاحتمال، إلى نجوم تهديد «سيكون كارثة مطلقة ولم يسبق لها مثيل بالنسبة لحكومة الولايات المتحدة وحلفائنا».

لم يكن هوفمان منفردا في التحذير من إمكانية اندماج «القاعدة»و»داعش» ففي مقال نشره دانيل بايمان وهو أستاذ في كلية الخدمة الخارجية في جامعة جورج تاون، ومدير البحث في مركز سياسة الشرق الأوسط في معهد بروكينغز، في 26 ايار 2016 في مجلة «سليت» بعنوان هل سيظل «داعش» و»القاعدة» خصمين على الدوام؟، يذهب بايمان إلى الاتفاق مع زميله هوفمان، أن اندماجاً بين المجموعتين ربما يكون على الطريق، إذ يحذر هوفمان –مُحقاً- حسب بايمان من أنه تم إخراج تنظيم القاعدة بشكل متكرر -وخاطئ- من الحسابات في الماضي. ويؤكد على أن التشابهات الأيديولوجية بين القاعدة و»داعش» تظل أعظم بكثير من الفروقات، بحيث ليس من المفاجئ أن يجري اعتبار إحداهما فرعاً للأخرى. ومع أنني أتفق معه على أن الحركتين ربما تندمجان معاً عند نقطة معينة، فإن خلافاتهما تظل عميقة وتشكل تحدياً حقيقياً لأي وحدة محتملة بينهما. حسب بايمان يعد فهم أهمية ومدى وأمد هذا التنافس بين المجموعتين الجهاديتين أمراً حيوياً لجهود مكافحة الإرهاب في المستقبل؛ فبقدر ما هاتان المجموعتان خطيرتان بشكل منفصل، فإن من المرعب التفكير بما يمكن أن تفعلاه لو أنهما كانتا متحدتين. وليس احتمال تحقق ذلك الاتحاد بعيد المنال كثيراً على ما يبدو.

على خطى هوفمان وبايمان سار سكوت ستيوارت من مركز الدراسات الاستراتيجية والأمنية الأميركي «ستراتفور» بتجديد التحذير من خطر الاندماج «القاعدة» و»داعش» في مقالة بعنوان «هل يستطيع «داعش» و»القاعدة» العثور على أرضية مشتركة؟» بتاريخ 9 اذار 2017، خلص فيها إلى القول: لا شك أن ضم العمودين الرئيسيين للحركة الجهادية العالمية قواهما معاً هو واقع مثير للقلق. ويمكن أن تشكل قدرات «الدولة الإسلامية» و»القاعدة» المنضمة معاً خطراً كبيراً على بقية العالم، وأن تجعل من التنظيمين عدواً أكثر خطورة بكثير معاً مما يشكلانه وهما منقسمان. ولكن، وحتى مع النكسات الأخيرة التي مني بها تنظيم «داعش» في سورية العراق، فإن إقامة تحالف بينه وبين تنظيم القاعدة سوف تكون مهمة أكثر صعوبة بكثير مما قد يتوقع المرء.

خلاصة القول أن احتمالية الاندماج بين تنظيمي «القاعدة» و»داعش» ليست متخيلة بل واقعية، وتستند إلى جملة من الحقائق التاريخية والموضوعية، ذلك أن مبررات الاندماج أكبر من مقتضيات الانقسام، فالتشابهات الإيديولوجية بين التنظيمين والأهداف الاستراتيجية تتفوق على عوامل الاختلاف، وتشير التواريخ القريبة والبعيدة للحركات الجهادية المتصلبة إيديولوجيا إلى دخولها في دورات من الانقسام والاندماج، وعلى الرغم من تفوق عوامل أسباب الانقسام على المدى القريب، فإن أسباب وعوامل الاندماج تتنامى على المدى المتوسط، وتصبح مرجحة على المدى البعيد.

[email protected]

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }