حدثني فقال: لقد فقدت شخصيّتي وأصبحت رهين غرفتي؛ لا أكلّم أحد ولا اختلط مع أحد حتى مع أقرب الناس لي؛ فأنا لا أستطيع أن أتكلم بطلاقة مثلهم وسرعان ما يحمرّ وجهي، وتتغير ملامحي، ويتلعثم لساني، وأفقد تركيزي وأشعر بأن العيون تراقبني، لقد أصبحت انسانًا مملاً لا يجيد التحدّث ولا يجد من يستمع له بل إني بت ألمح نظرات الشفقة في عيون من حولي وكأني انسان غير سوي.
واستطرد حديثه: كم تألّمت؟ وكم تقلبت في مضجعي أفكر في حل لمشكلتي؟ وكم مرة جلست أندب حياتي وأرثي حالي فأنا النجيب الذي حصل على أعلى العلامات، ولدي ما لدي من الإبداعات لكنّها بلا فائدة لقد صادفت نفسًا ضعيفة هزيلة وهشّة.... ولكي أختصرعليك فهم حالتي فإني لم أقرأ مقالًا أو أسمع كلامًا عن القلق الاجتماعي إلا وكان يذكر الأعراض التي أعاني منها وبالنصيب الأوفر، لقد زرت الكثير من الاطباء وجالست العديد من المرشدين النفسيين وملأت مواقع التواصل بالمعاناة والآهات والزفرات والندبات، حتى توصّلت إلى النتيجة الحتميّة والنهاية المأساوية التي تتلخّص في أنّ القلق الاجتماعي لا يزول إلا بزوال الروح من البدن.
هكذا استفحل اليأس قلبه وأصاب القلق فكره، وراح يبحث عن حل عله يرتاح من حالة الاكتئاب التي تلازم ذهنه وتقض مضجعه، فما هو القلق (الرهاب) الاجتماعي؟ وماهي أعراضه وأسبابه وطرق علاجه؟ وهل بالغ صاحبنا في وصف مآله؟
يعرف اضطراب القلق أو الرهاب الاجتماعي بأنه خوف مرضي غير معقول ومبالغ فيه يصاحبه تغييرات فسيولوجية تشير إلى النشاط الزائد في الجهاز العصبي اللاإرادي ويحدث عادةً في المواقف الاجتماعية إذ يتجنب الأفراد المصابون به نظرات من حولهم ونادرًا ما يظهرون انفعالاتهم التعبيرية أمام الآخرين، كما يجدون صعوبة في بدء المحادثات ومواصلتها، إلا أنه من المهم التفريق بين اضطراب القلق الاجتماعي وهو الميول الثابت للشعور بهذا القلق، والقلق العام الذي يعتبر استجابة مؤقتة لبعض الحوافز الاجتماعية المعينة في مرحلة ما من حياة الفرد.
هناك مجموعة من الأعراض التي تظهر على المصابين بالرهاب الاجتماعي عند التعرض للمواقف الاجتماعية التي تثير قلقهم، وهذه الأعراض تختلف من شخص إلى آخر فلا يعاني جميع المصابين من نفس الأعراض سواء السلوكية أو المعرفية أو الفسيولوجية التي تتمثل في احمرار الوجه، وارتعاش اليدين، والغثيان، وتصبب العرق، وسرعة ضربات القلب، وضيق التنفس، هذا ويولي مرضى الرهاب الاجتماعي الأعراض الجسمية أهمية خاصة؛ لاعتقادهم أن الآخرين يلاحظون هذه الأعراض ويفسرونها كمؤشرات على فشلهم في تحقيق المعايير أو المستويات المرغوبة من الأداء الاجتماعي، وعلى الرغم من أن هذه الأعراض قد تظهر لدى بعض الأفراد العاديين إلا أن الفرق يكون في شدة هذه الأعراض والتي تكون أكثرشدة لدى الأفراد ذوي الرهاب الاجتماعي.
ويتبنى الأفراد المصابون بالرهاب الاجتماعي سلوكيات تتميز - في مجملها - بمحاولة التحكم في المواقف الاجتماعية وخفض مستوى القلق وذلك بالهدوء وقلة الحديث، والهروب من المواقف الصعبة أوتجنبها، وتعد السلوكيات الآمنة إحدى المكونات السلوكية للرهاب الاجتماعي وهي أساليب متنوعة تهدف إلى تجنب حدوث نتائج سلبية كتقليل التواصل البصري أثناء الموقف الاجتماعي، وإمساك الأشياء بإحكام لإخفاء ارتجاف اليدين، وارتداء ملابس خفيفة حتى لا يحدث التعرق.
يدرك الفرد المصاب بالرهاب الاجتماعي أن ما يشعر به من انزعاج غير منطقي لكنه مع ذلك لا يستطيع أن يتجاهله، وتكون اللاعقلانية واضحة عنده لذا فإن مواجهة المواقف الاجتماعية ستكون مخيفة له وسيلجأ إلى الحوار الذاتي السلبي لتفسير الأشياء، وتتضمن الأعراض المعرفية أفكار الفرد وتقييماته لذاته، والوعي المفرط، والاستغراق في الذات، وتوقع الظهور بشكل لبق أمام الآخرين مع توقع استهجانهم، والانزعاج من النقد والملاحظات السلبية, والانشغال المتكرر بالمواقف الاجتماعية الصعبة والمثيرة.
وقد أوضح الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس (DSM –V) نوع السياق الذي يخاف منه الفرد كالخوف من الأداء، والإذلال، والحرج، والخزي والعار، وظهور أعراض القلق، وأشار إلى أن القلق قد يأخذ شكل نوبة هلع، وأن الفرد إما أن يتجنب مواقف الأداء الاجتماعية أو أنها تستمر مع قلق شديد.
وتعد التنشئة الاجتماعية من الأسباب المعززة للقلق الاجتماعي؛ حيث تشير الدراسات إلى أن سوء معاملة الآباء والأمهات لأبنائهم وتعريضهم للعقوبات الجسدية والقسوة والصرامة في المعاملة تزيد من ظهور اضطراب القلق الاجتماعي عند الأبناء، وأن القسوة والشدة والضرب أمام الآخرين يؤثر على شخصياتهم إذ يصبح الخوف من العقاب هو الدافع وراء كل سلوك يصدر عنهم ويترتب على ذلك الإحساس بالعدوانية والرفض والتردد، وعدم القدرة على اتخاذ القرار، وضعف الثقة بالنفس أو العجز عن التصرف في بعض الأمور، والتعرض لمواقف الإحباط والفشل المتكرر، وعدم القدرة على تحقيق النجاح و اثبات الذات.
ويرى العديد من الباحثين أنه يمكن علاج القلق الاجتماعي بنجاح من خلال استخدام العلاج النفسي، والعلاج المعرفي السلوكي الذي يتمثل في التعرف على الأفكار المشوهة والعمل على تصحيحها، والتخلص من المواقف التي تسبب المخاوف كالقلق والضيق ،وتحويل اهتمام المريض إلى أنشطة عديدة اجتماعية، وفنية، ورياضية، وكذلك التحصين التدريجي الذي يقوم على تشجيع المريض على مواجهة مواقف القلق بشكل تدريجي بهدف إلغاء الحساسية المبالغ فيها نحو تلك المواقف، وذلك من خلال التعرض التدريجي للمواقف المثيرة للقلق مع إحداث استجابات مضادة لهذا القلق، إلى أن يفقد الموقف خاصيته المهددة ويتحول إلى موقف محايد ويؤدي هذا التغير أو التعديل إلى تحسين عملية التوافق، كما يمكن اللجوء إلى بعض أساليب الاسترخاء مع استخدام بعض العقاقير الطبية.