فيما يروى في الأثر انه من صادق الناس شاركهم أموالهم وهي إشارة واضحة إلى أن الثقة المتبادلة تولد علاقة طيبة على شتى الصعد والمجالات وهذا ببساطة ما تحتاج إليه الحكومات والشعوب؛ فإن فقدت هذه الثقة انقلبت العلاقة إلى خصومة وأصبح كل طرف على نقيض الطرف الأخر بشكل يؤدي إلى إفشال أية محاولة لإنجاح العلاقة إلى أدراج الرياح.
لعلنا نقف أمام أمرين توقف عندها نبض الشارع الأردني وتباينت فيها الآراء وظهرت الكتابات والتعليقات بشكل ساخر يجرح المشاعر على الرغم أنها غلفت بطابع كوميدي وعكست وبشكل جلي طبيعة العلاقة بين المواطن والحكومة؛ الأمران هما تقرير ديوان المحاسبة السادس والستون لعام 2017 الذي تم نشره مؤخرا والأمر الآخر وزراء في الحكومة.
ظهر تقرير ديوان المحاسبة في وقت لم تندمل فيه جراح الأردنيين من فاجعة البحر الميت وفي الوقت الذي ما تزال فيه التحقيقات جارية لتحديد الجهات المقصرة وفي المرحلة الدقيقة لتوضيح حجم المسؤولية بشكل واضح.
التقرير كان علامة فارقة هذا العام، ذلك أنه تضمن العديد من المخالفات والتجاوزات التي تم نشرها على أكثر من موقع رسمي،وبتفاصيل أظهرت الكثير من التعليقات ومنها الكثير على شكل نوادر وفكاهة تنم عن أزمة ثقة عميقة بين المواطن والحكومة وفرصة لتناول كلفة طباعة التقرير وضرورة توفير الكلفة ونشره الكترونيا من باب المساءلة أيضا لأصحاب التقرير.
تزامن نشر التقرير مع استقالة وزيرين من الحكومة وتكليف وزيرين آخرين بمهامهما وأصبح احد الوزراء يحمل ثلاث حقائب مهمة، فهل هذا مؤشر أن هناك نية لإعادة هيكلة الوزارات وإعطاء صلاحيات أكبر للأمناء العامين في الوزارات بحيث يصبح منصب الوزير سياسيا فخريا.
طلب رئيس الوزراء من الجهات التي تم ذكرها في التقرير تقديم إجابات واضحة عن المخالفات والتجاوزات، يؤشر بما لا يدع مجالاً للشك أن الحكومة جادة بمراجعة ومعالجة القضايا الواردة في التقرير،بهدف بناء جسور من التواصل والتعاون والتداول في الأمور العامة بشفافية ووضح.
تسلم رئيس الوزراء مهامه بتراكمات من انعدام الثقة وفقدانها بين المواطن والحكومة وأعلن في أكثر من موقع عن هذه المشكلة وضرورة تمتين العلاقة وبشكل مباشر لمعالجة القضايا مهما بلغت وأن لا أحد فوق القانون والمساءلة.
وللحقيقة ومنذ اللحظة الأولى لتشكيل الحكومة ورئيسها يحاول جاهدا معالجة ما ورثه من ضعف في العلاقة بين الحكومات السابقة وأبناء الوطن ويحاول جاهدا أيضا لإطلاق ظاهرة وسائل للتواصل مع المواطن العادي،تجسيدا للرؤية الملكية في ترسيخ العمل الميداني وتحمل المسؤولية الأخلاقية،وان تكون العلاقة متوازنة تماما بين الحق والواجب وبين الرأي والرأي الأخر من جهة وبين مصلحة الوطن العليا والسياسة الأردنية الثابتة.
ما يحتاجه الناس اليوم هو»الحقيقة والمعلومة»في وقتها مع احترام خصوصية وأهمية المعلومة وبعدها الأمني، عبر منصات جديدة بعيدا عن ضجيج وسائل التواصل الاجتماعي،التي حذر منها الملك لما تبثه من سموم وإشاعات مغرضة هدفها الهدم لا البناء. ولقطع الطريق على كل طامح لفبركة الأحاديث وإشاعة الأكاذيب والفوضى.
أخذ تقرير المحاسبة على محمل الجد والمعالجة هو السبيل للكشف عن جوانب واختراقات مالية لا بد من معالجتها وعدم تكرارها،ولابد من المحاسبة والمساءلة والعقاب على حد سواء لبناء الجسور المطوية.
الحوار احد أساليب التواصل المطلوبة وخصوصا الآن ومع الظروف والأحداث الحالية ولكن ضمن إطار شامل وعام وليس خاص وضيق المصالح، يلزمنا الحوار بكل ما يمنع بلدنا ومجتمعنا من النهوض والسير قدما إلى الأمام والى مستقبل من العطاء والانتماء المخلص؛ لقد وصلنا الى مرحلة صعبة من جلد الذات والتشكيك في كل المحاولات للاعمار والبناء والتغيير والتغلب على التحديات؛ فما المانع من تناول الحقائق مجردة من زيف المظاهر واستغلال وانتهاز الفرص لاكتساب المزيد والمزيد من الفوائد على حساب الجميع ؟
نحتاج إلى حكمة إنسانية جادة للنظر في جميع القضايا المدرجة على لائحة الاتهام والدفاع عنها تباعا وفي ضوء النهار وبعيدا عن العتمة.