حين جمع رواة اللغة مادتها من أقوى بني أسد وبني تميم وبعض طيء هذيل وسواهم فصحاء نجد، كانوا أكثر ما يكونون إصابة ودراية بفصاحة اللغة من حيث مخارج حروفها وسلاستها وانسيابها في أسماعهم. وحين لم يلتفتوا إلى أهل أطراف الجزيرة العربية لاختلاطهم بالأعاجم، كانوا أشدّ ما يكونون حرصاً على هويتهم الحضارية التي تميزهم عن أولئك الأعاجم.
وحين قّدِّر لي أن أعمل موجهاً للغة العربية في إحدى دول الخليج، اطلعت على حال اللغة العربية فعرفت أنها بحاجة إلى بعض الرثاء، ويحتاج المرء إلى وقفة تأمل في مجتمع أقل ما يقال فيه بأنه فسيفسائي. فطبيعة الظروف اقتضت وجود جنسيات مختلفة قال عنها أحد أبناء تلك الدولة بأنها تبلغ المئة. وهذه الجنسيات نتحدث غالباً بلغاتها، بل وتعتز بها اعتزازاً يدفع المرء إلى الغيظ أحياناً. وقد استغربت مديرة هندية في مدرسة خاصة ضُعف لُغتي الإنجليزية، وحينَ سألُتها كم سنةً أمضت في تلك الدولة أجابت بأنها أمضت خمسة عشر عاماً، فقلت لها: أحرى بك أن تتعلمي العربية وأنت في بلد عربي، فنالها من الإحراج شيءٌ كثير.
وفي المدارس الخاصة التي لا تتبع منهج وزارة التربية هناك، في اللغة العربية، يضطر المرء إلى استخدام الإنجليزية، في حين هو موجه للغة العربية. أما المعلمات والمعلمون فيلجأون إلى الترجمة لتعليم أبناء الجاليات مما يضيع فرصاً ممتازة للتأثر باللغة كما هي أساليب وتراكيب وصيغ عربية، وهم يخضعون لضغوط متعددة من أولياء الأمور والإدارات المدرسية التي لا تكترث بتعليم هذه اللغة، بل نتمنى إلغاءها من المناهج الخاصة بها.
وتشكل اللغات الأخرى التي يسمعها المرء هناك عاملاً مهماً جداً في تحطيم الصيغ والتراكيب السليمة للغة العربية، وعندما يرى كثافة المربيات الأجنبيات فإنه ينزع ويتذكر ما قرأ هنا في الأردن من مقالات حول دور الخادمات في تنشئة جيل غريب متغرِّب. عن لغته وأمته ودينه. وتسهم بعض اللهجات العربية بقدر كبير في إضعاف اللغة الفصيحة على ألسنة التلاميذ الصغار خاصة، حيث يبدلون حرف (الذال) بـ (الزاي)، واتصاف الهمزة التي تدعى (القاف القاهرية)، وغير ذلك كثير.
وليست هذه المقالة خاصة بقطر عربي دون آخر، وإنما هي الغيرة على هذه اللغة الشريفة لغة (القرآن) والتي يتفق الجميع على أن وسائل الإعلام جميعاً إلى جانب عوامل أخرى كثيرة تسهم في إضعافها، فقد جمدت إحدى دول المغرب العربي عام 1992 خطتها للتعريب حتى تصبح الأحوال مواتية كما جاء في مرسوم رئاسي ذكر أن تنفيذ قانون عام 1991 الذي يهدف إلى جعل العربية هي اللغة السائدة على الفرنسية قد تأجل إلى أن تصبح الأحوال مواتية.
وهكذا نرى أن حال العربية في المغرب العربي لا يختلف عنه في المشرق العربي حيث تنتشر الأخطاء اللغوية- كما في باقي الدول العربية الأخرى.
a.al_shucairat@yahoo.com
اللغة العربية.. بين التعريب والتغريب
11:00 9-11-2018
آخر تعديل :
الجمعة