الفاشية في الأصل تعني حكم الحزب الدكتاتوري الواحد وبالتالي الامتثال لأمر قائده الأوحد، وتعني ضمناً إلغاء الديمقراطية تماماً وعدم الاعتراف بوجود أي معارضة، ولعل بنيتو موسوليني في ايطاليا كان رائد الفاشية منذ بدايات القرن الماضي وقد اعتمد على عسكرة المجتمع بتشكيل مليشيات مسلحة من شباب الحزب (القمصان السوداء) لنشر وفرض مبادئ يمينية متطرفة دبَجها واعتمد بها على إثارة النعرة القومية المتعصبة من خلال التغني ببطولات تاريخية لتهييج الحماس الغرائزي ضد الآخرين والاستحواذ على الطاعة الجماهيرية العمياء حد التضحية بالحياة من اجل مجد ورفعة الوطن (!) ولو بشن الحروب على الأوطان الأخرى واحتلال أراضي الغير ونهب ثرواتهم !.
بعد ان استتب الأمر للفاشية في ايطاليا تطورت أنماط الحكم الدكتاتوري في دول اخرى فرأينا أشباها لها في ألمانيا ببروز الحزب النازي بزعامة ادولف هتلر، وفي اليابان تم الاستسلام الكامل لحكم عسكري حديدي تستر بحب الوطن وعبادة أنصاف الآلهة من الأباطرة وأخرهم هيروهيتو وقد شكلت الدول الثلاث حلفاً عدوانياً سمَته المحور ودخلت به الحرب العالمية الثانية ( 1939- 1945 ) وقدمت المساعدة لحليف رابع في اسبانيا هو الديكتاتور فرانكو ولعل من المستغرب ان يحاول حزبان في عالمنا العربي ركوب موجة التقليد احدهما في لبنان والآخر في مصر!
مؤخراً ظهر كتاب جديد لجيسون ستانلي أستاذ الفلسفة في جامعة ييل في الولايات المتحدة بعنوان « كيف تعمل الفاشية « How Fascism Works بعد كتابه السابق « كيف تعمل الدعاية « How Propaganda Works وقد حاورته على موقع « Democracy Now « نيرمين الشيخ بمشاركة مديرة المحطة ايمي غودمان في 11/10/2018 فشرح ببعض التفصيل ما قصده بأعمدة الفاشية العشرة فقال مثلاً: لا بد من ماض أسطوري مضخَم الانتصارات يعتمد عليه القائد الملهم في دعاواه التي تستخدم الدعاية المصممة بذكاء خبيث لقلب الحقائق التي تعارف عليها المواطنون ونشر الأنباء الكاذبة الملفقة على نطاق واسع، والادعاء بمحاربة الفساد بطرق يتبين انها هي الفساد بعينه، ولشن حرب لا هوادة فيها على الثقافة والمثقفين بالأسلوب الذي دعا له هتلر في كتابه « كفاحي « اذ قال: أغلقوا عليهم الأبواب وابنوا حولهم الأسوار ! ثم أشار ستانلي إلى أن بين الأعمدة العشرة ضرورة سحق الصدق والتعلق بنظريات المؤامرة بدل المنطق والعقل حتى لا يبقى أمام الناس في النهاية الا الولاء المطلق للزعيم والإذعان للتراتبية Hierarchy حيث المجموعة الحاكمة هي الفضلى لأنها تمثل نموذج العظماء الذين استحقوا الاحترام في الماضي وهم أهل له في الحاضر كما أشار إلى الأفكار التي تصطنعها الفاشية للتضليل كالادعاء بأن النخبة هي ضحية كراهية السود للبيض !! وان رجالها هم ضحايا الحركة النسائية المعتدية ! وبأن القانون هو ضحية الخارجين عليه من المجرمين و مرتكبي الاغتصاب والمصابين بالأمراض النفسية والتخلف العقلي الوراثي وسكان المدن المنحلين! وبأن القيم المثلى لا تكون الا في ارض الآباء والأجداد، و أخيرا بأن «العمل « هو الذي يجعل الإنسان حراً أما البطالة فهي آفة الكسالى الخاملين وهم بذلك مخطئون غير جديرين بالمواطنة ! وهنا يعرج استانلي للإلماح إلى فاشية الرئيس ترمب متمثلة في شعاره الانتخابي « أمريكا أولا « ثم يستشهد بقوله « ما تراه وما تقرأه ليس هو ما يحدث في الواقع ! أما المحاورة نيرمين الشيخ فتستذكر ما قاله جورج اوريل في كتابه 1984 « الحزب يأمرك أن ترفض الدليل الحسي الذي تراه بعينيك وتسمعه بأذنيك !
وبعد.. لو أمعنتم النظر جيداً لرأيتم ان حكومات تدعي الديمقراطية تجنح بدرجات متفاوتة إلى واحد أو أكثر من أعمدة الفاشية العشرة.. وتتمنى أحيانا ان تطبقها جميعاً !.