قلائل وربما هم من الندرة، من هم في موقع المسوؤلية الأولى في بلادهم ، من يتابعون كل كبيرة وصغيرة ويتوقفون عند كل واردة وشاردة ويدققون فيما هو إيجابي وسلبي ، أو دعوة للسلم أو تحريض، على الحرب والفوضى والكراهية ونبذ للحب والإنجاز والعيش المشترك، فمشاغلهم الكبيرة، مشاغل إدارة الدولة ورسم خطوات النجاح تغنيهم عن الإنشغالات الصغيرة التي لها مختصون وهواة وفي أغلبهم عاطلون عن العمل (...)!
جلالة الملك عبد الله الثاني›بعكس هذه الشريحة وهو بالتأكيد من الندرة ينشغل بكل شيء له تماس بحياة مواطنيه وحياة الإنسان في بقاع العالم وهو من رجالات الدول الاستثنائيين اللذين رغم مسوؤلياتهم وانشغالاتهم الوطنية والإقليمية والدولية يفكر بصوت عال وينشر على الملاء للكل وبلا استثناء وبكل وضوح وشفافية متناهية، ما يلمسه في الواقع وفي الواقع الافتراضي الذي يكاد يغرق في التناحر لا في التواصل بما فيها من ألفة ومحبة وخير وفضيلة وتواد إنساني خال من الشهوات والغرائز المنكرة.
ففي مقالته الأخيرة «مواقع للتواصل الاجتماعي ام للتناحر» التى يمكن تصنيفها بالورقة النقاشية الثامنة التى اعتدنا نشرها تباعا وبتسلل محكم حتى في العناوين والأغراض، تسهل للباحثين والسياسيين والمحللين العودة إليها بكل يسر.. أراد سيد البلاد أن يحك ادمغتنا وضمائرنا ووجداناتنا ويزيل الصدأ عن القلوب كي لا تذهب في الغي إلى أبعد مدى يصعب التراجع او العودة عنه.
فمنصات التواصل الاجتماعي باعتبارها وسائل اتصال محدثة كانت وما تزال وسائل تقرب بين الناس وتدلهم على التفكير الإيجابي ونبذ النهج السلبي أيضا في السلوك خصوصا لمرتادي وهواة هذه المواقع وممتهني السلبية اصلا وتحذر من خطورة هذا المنحى والتمادي فيه، عليهم شخصيا وعلى محيطهم وعلى المزاج العام فأولاها الملك مساحة من مقالته الغنية الثرية، بإعادة التأكيد أن منصات التواصل للتواصل لا للفرقة والبعد والخصومة وبث خطابات الكراهية، وفي ذات الوقت لم يعط متسع للمصطادين في المياه العكرة أن يشرعوا سيوفهم عليها وعلى مرتاديها وكالعادة حين نفهم توجيهات الملك بعكس مرادها الحقيقي أو غاياتها النبيلة فنفسرها حسب المزاج ونحرفها حسب الغايات المضمرة الدفينة الغبية.
في مقالة الملك ، وقفات يحس من يتوقف عندها، أن ثمة حرقة أصابت الملك وغضب غزاه لما ينشر على منصات التواصل من كذب وافتراءات واشاعات طالته شخصيا وطالت الشخصية الأردنية التى يراد ايضا حرفها، عن طباعها المتوارثة والمكتسبة كالاعتدال والتسامح والوسطية والشخصية المحبة للعدل والمحبة والسلام والخير والداعية لكل هذه النواميس والفضائل.
ولكن في ذات الوقت وهذا واضح وجلي فالملك لم يقطع احبال الأمل والرجاء وإمكانية تصويب الأمور بالحسنى أو أن اجبر فاللجوء للتعديلات في التشريعات مشروع بما يضمن صون الحريات العامة بمجملها وفي ذات الوقت يحمي الأشخاص من انتهاك خصوصياتهم دون وجه حق ومسؤولية.
وربما أخطر وقفة يمكن أن يقرأها المتابع والمحلل والسياسي لكل وقفات الملك في مقالته أن الكيل طفح وبالتالي لا يجوز السكوت على تحويل هذه المنصات لمعاول هدم فيما هي أصلا معاول بناء وخير وتفاعل وتلاقي إنساني عبر الفضاء الواسع وتلاقح فكري معرفي حضاري بمعين لاينضب من الحب والخير والعدل والجمال.
إيانا أن نضيع فرصة ملكية من ذهب لنعود إلى «صواباتنا» وعقولنا النظير والمفتاح فنتمسك بالأردن آخر واحة في الاقليم للحرية والديمقراطية والعيش المشترك والمساءلة بمسؤولية وواحة للحقيقة لا للإشاعة والافتراء والكذب ولي أذرع الحقائق الناصعة.
علينا أن نعي ان كل توجيهات الملك في أوراقه النقاشية ومقالاته ولقاءاته مع المواطنين والسياسيين والمثقفين والاقتصادي والصحفيين ورجال الاعلام والنخب وممثلي الشعب والأعيان والوجهاء والحزبيين.. هي محاولة جادة لإعادة تشكيل صورة ومضامين النظام الاجتماعي السياسي الأردني المنشود في الفكر وهي صورة للمستقبل، بل هي فعالية فكرية وقدروية خالقة للمستقبل وبالتالي كل مافي هذه الصورة كالخطوط التى ترسم لها في الذهن.
وهذا يسوغ القول بأن كل نظام حقوقي ومنها بالتأكيد حقوق التعبير والنشر والإفصاح عن الآراء والتظاهر وثقافة الاحتجاج.. هي أداة لسياسة ما يروج لها النظام السياسي لأي بلد بمنتهى السلمية.