بعد خروجها من محيطها العربي، أو حاضنتها العربية ، اتخذت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية قرارات تكتيكية أوصلتها الى اوسلو ، وهي الاتفاقية التي انهت الصراع العربي الاسرائيلي ، وحولته الى صراع فلسطيني - اسرائيلي ، ثم تراجع ليصبح ، عبر مفاوضات متقطعة غير مجدية ، الى خلاف على حدود الدولة التي لم تقم ، لأن اسرائيل هي التي رفضت حل الدولتين ، ودفنت اتفاقية اوسلو برمتها.
كل هذه التطورات في المشهد الفلسطيني اوصلت قضية الشعب الفلسطيني الى مأزق الطريق المسدود. ولكن هذا لا يعني أن الحال في اسرائيل عال العال ، بل هي في مأزق اصعب واكثر تعقيدا ، هو المأزق الوجودي ، وهو المازق الذي تعاني منه اسرائيل منذ قيامها ، لذلك نراها تخرج من حرب لتدخل اخرى ، لأن قيادتها الصهيونية العنصرية المتطرفة غير قادرة على ايجاد حل لهذه العقدة.
حكومة نتنياهو اليمينية تحاول اقناع الاسرائيليين ويهود العالم أنها تتقدم في تحقيق المشروع الصهيوني القائم على الخرافة والتوراة وقوة السلاح ، وأعني اقامة « اسرائيل اليهودية « وعاصمتها القدس الى الأبد ، ولكن التطورات تؤكد أن نتنياهو تاه في غموض وتعرجات الوضع العربي الراهن غير المستقر، وأنه ارتكب خطأ استراتيجيا ، عندما هرب الى الأمام متجاوزا قضية الشعب الفلسطيني ليبحث عن حلول خارج نطاق المواجهة.
ليس لدى نتنياهو خطة واقعية مدروسة تمكنه من تحقيق اهدافه ، حتى مع تسخيره كل القدرة الأميركية في خدمة هذه الأهداف ،لأن مشكلته ليست مع الأنظمة العربية ، بل هي كامنة في الداخل ، مع الشعب الفلسطيني ، ولا اقول السلطة ، هو الشعب الصامد الذي تصدى ، ولا يزال ، لصفقة التسوية التصفية ، كما يتصدى لمشروع الدولة اليهودية العنصرية ، أعني شعبنا الفلسطيني العربي في كل فلسطين التاريخية.
واليوم يواجه نتنياهو وحكومته أزمة جديدة ظهرت على السطح ، وهي انتفاضة اهالي الجولان المحتل ، الذين رفعوا علمهم الوطني واعلنوا تمسكهم بهويتهم العربية ، ورفضوا الانتخابات المحلية التي حاولت اسرائيل فرضها عليهم لشرعنة الاحتلال والتلاعب بمستقبل ومصير دروز الجولان ، الذين صبروا وصمدوا واعلنوا أنهم سوريون عرب يرفضون الاحتلال ، وهذا يعني اعادة فتح ملف الجولان المحتل في وجه حكومة نتنياهو.
لذلك اقول أن نتنياهو يواجه مأزقا كبيرا ، ولن يفيده الهروب الى الأمام ، في حين ترك خلفه حزمة من المشكلات المعقدة والأزمات المستعصية ، فقبل انتفاضة اهالي هناك مشكلته مع قطاع غزة المحاصر الصامد الذي أصبح شوكة في حلق اسرائيل ، التي تشغلها وتقلقها مسيرات العودة المستمرة بقوة الدم.
كذلك السلطة الفلسطينية التي تسلحت بقرارات المجلس المركزي ، وتلوّح بتعليق الاعتراف ووقف التنسيق مع اسرائيل. واذا كنا نشك بقدرة السلطةعلى ترجمة هذه التوصيات والعمل على تنفيذها على أرض الواقع ، الا اننا نأمل أن تخرج السلطة من دائرة العجز ، رغم غياب التواطؤ الأميركي والدولي وغياب الدعم العربي ، كما ىنامل أن تتخلى السلطة عن شعار « التفاوض خيار استراتيجي «، وهو الخيار الذي اوصلها لطريق مسدود ووجهها للحائط... ولكن اسرائيل في مأزق أكبر، وهي تعرف جذور القضية ولكنها تتجاهل الحل الحقيقي..رغم انه غير عادل.