بعد إكتمال البُنيتين التشريعية والهيكلية للمنظومة الخدميّة عبر مجالس المحافظات والبلديّات ، إنتقلنا تلقائيّاً من مرحلة التمثيل النّيابيّ الخدميِّ إلى السياسيّ وعليه لم تعد هناك من حاجة لنائب خدماتٍ مُرتبطٍ بقواعد شعبيّة محصورة جُغرافيّاً وقائمةٍ على الروابط الشخصيّة ، ولا بُدّ من تغيُّر معايير تقييم النّاخب للمرشّح من نسبة مجاملاته الإجتماعيّة إلى معرفته بحاجات الوطن وأهليّته للتعاطي معها سياسيّاً وتشريعيّاً.
وطالما أن المجالس المحليّة والبلديّة ضامنةٌ لإيصال صوت القواعد الجغرافيّة من حيث الخدمات الأساسيّة، لا قيمة لتمثيل أو عدم تمثيل كبرى العشائر وحتّى الأقليّات في المجالس النّيابيّة بل لا بُدّ من صهر وإذابة كافة الفوارق العِرقيّة والدينيّة والجندريّة على إختلاف أنواعها أو بعبارةٍ أدقّ ( نقلها ) للمنافسة المفتوحة على أسُسٍ سياسيّة بحتة.
وبالقفز عن الحاجات التشريعية واللوجستيّة المُلحّة واللازمة لتمكين المجالس الخدمية من النهوض بمهمّاتها والتي عبّرت عنها في لقاء مع جلالة الملك منذ أيّام، نحطُّ عند العرف البرلمانيّ القاضي بسَنّ تشريعٍ إنتخابيٍّ جديد في السنة الأخيرة من عمر المجلس والذي غالباً ما يُطرح في وقتٍ غير ملائم وسط زحام القوانين في الدورة الأخيرة ما يحرم القانون حقّه في الحوار والتنقيح لحساب تعريف القواعد الشعبية به كأمرٍ واقع.
وهنا لا بدّ من الإعتراف بمعُضلتين تلازمان قوانين الإنتخاب عموماً ، الأولى هي تكريسها للجهويّة والمناطقيّة والأُخرى إقصاءها للأحزاب والقوى السياسيّة الأُخرى الفاعلة المؤثّرة والتي تصلح أن تكون نواة للأحزاب في المستقبل القريب، ولن تفلح محاولات الخروج من تلك الكمّاشة التشريعيّة سوى بقوّة القانون الذي عليه أن يجد اللّاصق بين طرفيّ المعادلة بحيث يتجنّب التشوّهات الماسّة بعدالة التمثيل عند النظر من الزاوية الديموغرافيّة مع تمكينٍ للأحزاب وضمان قدرتها على المنافسة وإعانة الضعيف منها وفق نظامٍ أشبه بالـ» عتبة «القائم على الإئتلافات
وربطاً لهذه الحاجة الملحّة المتمثّلة بتصعيد الكفاءات والقوى الفكريّة وصقلها لمقارعة النفوذ المناطقيّ والماليّ ، لابدّ من التعريج على ( نصيحة ) جلالة الملك التي أطلقها في مناسبات عدّة والتي دعا جلالته عبرها ضمناً إلى تجميع الاحزاب البرامجية وترشيقها من حيث العدد كي تتدوال السلطة بسلاسة، والواقع أن هذا هو النموذج الأوحد القابل للإستمرار على ساحتنا السياسيّة ويرتهن نجاحه بوجود بيئة حزبيّةٍ أردنيّةٍ حديثةٍ قلباً وقالباً.
وبإستدارةٍ كاملة لفرجار العين على أحداث المحيط العربيّ الجغرافي القريب ، سيتّضح جليا أن الوسطيّة وتجنّب إقحام المملكة فيما تعرضت له دولٌ شقيقة من أحداثٍ أو إنكفائها عن الإصطفاف بتحيّزٍ لطرفٍ من الأشقّاء قِبَلَ آخرٍ فيما شجر بينهم يُردُّ إلى نقاء السياسة الأردنيّة الخارجيّة من أيّة مؤثرات سياسيّة عقائديّة وقيامهـا على ركن الإنفتاح العربي مع تغليب المصالح الأردنيّة على أيّة معايير ذات تأثير في القرار ، ولو كانت الحكومات برلمانيةً فيما خلا من سنين لشقَّ عليها الإمساك بمنتصف العصا ولربّما إنقطعت»شعرة معاوية» وضللنا طريق العودة مع بعض محيطنا العربي.
وبالبناء على فرضيّاتٍ عشوائيّةٍ تثور التساؤلات: كيف للإسلاميّين إذا ما ألّفوا حكومتهم أن يديروا المشهد مع النظام المصريّ الحاليّ بما يبقي على المصالح المشتركة المتعدّدة؟ وكذلك الحال مع الخليج العربيّ في ظلِّ حَظر جماعتهم هناك؟ وهل سيكون بمقدورهم إستجلاب الدّعم للمملكة؟ وكيف كان للبعثيين أن يديروا المشهد بتوازنٍ وإعتدالٍ مع النظام السوري خلال أزمته على قاعدة»لا إفراط ولا تفريط « دون إنجرافٍ أو إنجرارٍ لعنفٍ وحرب؟ وهل ستكون الأحزاب المعارضة لكلٍّ من النموذجين المفترضين متقبّلة لخيارات وقرارات أضدادهم السياسيّين في الحُكم دون تجاذبات تستورد الأزمات إلى الداخل الأردنيّ متبنّيةً لغةً مشتركة في الحوار تجمع بين ما يطمح إليه الرفاق وما يرتضيه الأخوة وما يتقبّله غيرهم ؟ وبالمناسبة ، إنّ هذا القول لا يحملُ تخويناً بل على العكس فهو يشرح صعوبة المزاوجة بين الإيمان العقائديّ والمعطيات الداخليّة الخاصّة بالبنيان المجتمعيّ الأردنيّ وما تحمله من مناعةٍ طبيعيّة.
وقد يكون من الممكن البقاء على ذات المشارب أعلاه و تجميعها بعد أن برزت لجنة تنسيقية عليا لأحزاب المعارضة وتبلور إئتلافٌ للأحزاب الوسطية ، ما يجعل الفكرة قابلة للتطبيق عمليّاً من حيث الشّكل لكن تركيز الأضداد مرتفعٌ على الساحة السياسيّة والسبب أن المشارب جميعها مستوردةٌ و ليست وليدة منبتٍ أردنيٍّ بحت ما ينذر بفشل النتيجة والمضمون.
فالضامن لحياة أيّ تيارٍ سياسيٍّ في المملكة وتمدّده هو بقدر محاكاته للتركيبة الأردنية المتمسكة بالجذور والهويات الفرعية كما أن الإصلاح السياسيّ موقوفٌ على سقف حريات متزن وإنتخابات نزيهة لا تمنح الغلبة للأثقال الوهميّة ولا تنصاع للجهوية، وصمّام الأمان في هذا لا يكون إلّا بإستحداث مذاهب فكريّة منطقيّة تحاكي الخصوصية الاردنية بين اليمين واليسار، وقد نجحت القوى الطلّابيّة والنقابية في إنجاب نماذج مبشّرة مبدئيّاً.
خلاصة القول، نريد حكومات برلمانيّة تؤثِّرُ عقائديّاً أكثر ما تتأثّر، ونحتاج مجلساً نيابيّاً قائماً على أساسٍ فكريٍّ لا يحمل بصماتٍ فئويّةٍ ولا جهويّةٍ ولا يؤمنُ بالمحاصصة.
لهذا، علينا أن نصل لما هو أبعد من إلغاء الكوتا بل لتعميم المساواة حتّى تشمل كافّة القطاعات والمواقع فما من مانعٍ دستوريٍّ يحولُ دون أن يَلِي أردنيّ ( مسيحيّ ) الديانة منصب رئيس الوزراء أو أن يسند ذلك المنصب لسيّدة مثلاً، فما دام الجميعُ شركاء في الوطن والمصير لا قيمة مضافة للمنبت والمنبع بل العطاء هو أساس المفاضلة ومعيار النجاح أو الفشل.
العتبات بديلاً عن الكوتات
11:00 30-10-2018
آخر تعديل :
الثلاثاء