يتفوق استخدام مصطلح «الشعبوية» مؤخرا على كافة المصطلحات السياسية الأخرى في خضم النقاش السياسي أو العمليات الانتخابية، وقد باتت «الشعبوية» سمة عالمية مميزة تجناح المجال التداولي المعولم والحقل الدلالي للفضاءات المحلية المختلفة، وعلى الرغم من شيوع المصطلح وانتشاره الواسع واختلاف الأنظار في تبيان دلالته ومعناه إلا أن ثمة اتفاقا على أبرز مكوناته وتاريخيته وطرائق استخدامه، حيث يندرج في ثنايا «الشعبوية» طيف واسع من السياسيين من دونالد ترمب وفلاديمير بوتين ومارين لوبن وغيرت فيلدرز، إلى بيرني ساندرز و «سيريزا» اليونانيّة و«بوديموس» الإسبانيّة، وصولا إلى هوغو شافيز وإيفو موراليس ورجب طيب أردوغان وغيرهم.
يتباين تعريف الشعبوية حسب فريد زكريا ذلك أنه يتضمن أشياء عديدة لدى المجموعات البشرية المختلفة، وقد يكون الجامع المشترك بين هذه التعريفات أن الشعبوية – في كل المجتمعات البشرية – تتشارك بالشك والعداء للنخب، والسياسة السائدة والمؤسسات القائمة، إذ ترى الشعبوية أنها تتكلم باسم الناس «العامة» المنسيين متخيلة نفسها أنها صوت الوطنية الحقيقية.
برزت الاختلافات في تبين معنى الشعبوية مبكرا حسب .محمد الداودي ففي ندوة نظمتها كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية سنة 1967 حول مفهوم الشعبوية، اختلف الأكاديميون المشاركون في الندوة حول تعريف المفهوم بين من اعتبر الشعبوية إيديولوجيا، ومن رأى فيها حركة سياسية، ومن سماها متلازمة، ومن اعتبرها نتيجة منطقية للتحولات الاجتماعية والبنيوية للحداثة، ومن شدد على اختلاف السياقات الوطنية التي تجعل الشعبوية تعني شيئاً مختلفاً في كل بلد على حدة. وفي تقديمهما للكتاب الذي تضمن أشغال الندوة، أكد إرنست غيلنر وغيتا إيونسكو بأن ثمة غموضاً يحيط بمفهوم الشعبوية، فهو مفهوم صعب التحديد ومتلون على حد تعبيرهما، إذ أنه يأتي ضمن استعمالات مختلفة بل ومتناقضة، ويتساءلان: هل يعبر مصطلح الشعبوية عن وحدة مفاهيمية ما، أم أنه اسم يشمل تيارات غير مرتبطة فيما بينها، وبعد مرور نصف قرن على انعقاد تلك الندوة، لا زالت هذه التساؤلات ذات راهنية، ولا زال مفهوم الشعبوية يُستعمل لوصف ظواهر سياسية مختلفة.
يعتبر كتاب «ما الشعبوية؟»، للباحث الألماني يان فيرنر مولر من منشورات جامعة بنسلفانيا عام 2016، من أهم الكتب التي تناولت مفهوم الشعبوية، وقد صدر بالعربية عن منتدى العلاقات العربية والدولية، بالدوحة عام 2017 ترجمة رشيد بوطيب، ويمكن الموافقة باطمئنان على وصف الكتاب بأنه «لم يكتب أحد بتبصّر ومعرفة أكبر من يان فيرنر مولر حول الانحطاط الديمقراطي في الغرب مؤخرًا. ويواجه مولر مباشرةً هنا جملة أسئلة مفتاحيّة يثيرها انبعاث الشعبويّة في العالم مجدّدًا: كيف تختلف الشعبويّة عن أشكال السياسات الأخرى، ولِمَ تشكّل كل هذه الخطورة، وكيف يمكن التغلّب عليها؟ إن توصيف مولر للشعبويّة باعتبارها ظلّ الديمقراطية الأخلاقي المعادي للتعدديّة والتنوّع توصيف بارع فعلاً».
يستمد كتاب مولر «ما الشعبوية؟» أهميته باعتبتره محاولة منهجية للإجابة على سؤال المفهوم خاصة في سياق التطورات العالمية الراهنة،، إذ يبدأ الكتاب بالإشارة إلى عدد من المعاني والاستعمالات التي يحيل إليها مصطلح الشعبوية؛ فمن جهة، هي ترمز لكل من/ أو ما هو ضد المؤسسات بغض النظر عن المحتوى الإيديولوجي.ومن جهة أخرى، عادة ما يتم الربط أيضاً بين الشعبوية ومشاعر الغضب والخيبة تجاه النخب، ويستعمل مصطلح الشعبوية لوصف حركات سياسية مختلفة.
يحدد مولر أركان المنطق الشعبوي في ثلاثة عناصر: أولاً، الشعبوية معادية للنخب، ويعود ذلك إلى الاعتقاد بأن المسلسل الديموقراطي والمؤسسات قد حُرِّفا بشكل يخدم فقط مصالح هذه النخب ويقصي فئات الشعب. هذا لا يعني أن كل من ينتقد النخب هو شعبوي بالضرورة، لكن انتقاد النخب بالنسبة لمولر شرط أساسي لكي نطلق تسمية الشعبوية على أية حركة أو شخصية أو حزب ما. ثانياً، تنفي الشعبوية التعدد، أي، إن الشعبوي يملك تصوراً موحداً وأوحد للشعب، وكل من لا يتفق مع هذا التصور أو يعادي الزعيم الشعبوي فهو ليس جزءاً من الشعب. ولذلك فإن القناعة المحورية لدى الشعبويين هي الاعتقاد بأنهم هم فقط من يمثل الشعب الحقيقي الخالص. يؤكد مولر بأن فكرة الشعب في التصور الشعبوي هي ذات طبيعة أخلاقية ومتخيلة، وليست تجريبية أو محسوسة. فقد يتكون الشعب من مواطنين بالولادة، لكنهم لا يمثلون جزءاً حقيقياً من الشعب الموجود في أذهان الشعبويين. ثالثاً، ما تعنيه هذه الرؤية الإقصائية للسياسة والهوية هو أن الشعبوية تصبح منافية للديموقراطية وتشكل خطراً عليها، لأن الديموقراطية بحاجة للتعدد. وإذا كان البعض يعتقد بأن الشعبوية تشكل فرصة لتصحيح مسار الديموقرطية عبر محاولة إشراك أوسع للشعب، فإن هذه العناصر الثلاثة تبين حسب مولر بأن الشعبوية ليست تصحيحاً للمسار الديموقراطي، بل هي بمثابة الظل الدائم والملازم للنظام الديموقراطي والخطر الداهم الذي يمكن أن تنزلق نحوه الديموقراطية في أية لحظة.
عقب تتبع الإشكاليات والمآزق التحليلية المختلفة لمعنى الشعبوية، يقترح مولر تعريفا أوليا للشعبوية بأنها تصور أو متخيل أخلاقي للحقل السياسي، ينبني على تعارض بين مفهوم للشعب كوحدة أخلاقية نقية أو خالصة، لكنها في نهاية المطاف متخيلة وغير حقيقية، وبين نخب فاسدة ومنحطة في الميزان الأخلاقي، ولذلك فإن العنصر الأساسي أو الضروري لكي نصف أحداً بالشعبوي ليس فقط التحدث باسم الشعب أو استعمال خطاب يمجد الشعب، بل هو الزعم بأن جزءاً من الشعب هو فقط من يعبر حقيقة عن الشعب وإرادته، وبأن الزعيم أو الحزب الشعبوي هو من يمثل هذه الإرادة.
يتوقف هذا التمييز الأخلاقي بين شعب نقي ونبيل ونخب منحطة وفاسدة على مجموعة من الثنائيات التي يلجأ إليها الخطاب الشعبوي، مثل ثنائية العمل والفساد؛ فالشعب يعمل ويكِد بينما تعيش النخب عالة على الشعب وتثري باستغلال جهده. وهناك أيضاً ثنائية الوطني ابن الأرض وعميل الخارج، وثنائية النقاء والفساد. وقد تستدعي الحاجة أحياناً لاستعمال ثنائيات عرقية، ولذلك فليس مستغرباً أن يتلون الخطاب الشعبوي بالشوفينية العرقية والعنصرية أو بنظرية المؤامرة.
يخصص مولر الفصل الأول لشرح التصور الشعبوي لمفهوم الشعب، وهو تصور يؤمن بأن الشعبوي هو وحده من يمثل الشعب، لأنه وحده من يعرف ماذا يريد الشعب ومن هو الشعب الحقيقي الخالص، إذ يرى الشعوبيون بأن ثمة تصوراً واضحاً وبسيطاً للمصلحة العامة وبأن الشعب يعرف هذه المصلحة وأن الحزب أو السياسي الشعبوي هو القادر والمخول لسن السياسات الكفيلة بتحقيق أهداف ذلك التصور، ويؤكد مولر على أن الشعب لدى الشعبويين هو فئة متخيلة موحدة موجودة خارج تفاصيل أو ضرورات الحركية الديموقراطية، حيث يعبر المفكر الألماني كارل شميت عن هذا المنطق حين يقول إن الفاشية قد تستطيع بلورة المثل الديموقراطية وتحقيقها بشكل أفضل من الديموقراطية نفسها، ولذلك فإن ما قد يبدو لأول وهلة وكأنه دفاع عن إرادة الشعب ليس في الواقع دعوة لمشاركة حقيقية وفعالة للشعب، بل هو ادعاء بأن الزعيم الشعبوي يعرف ما يريده الشعب، وبذلك يصبح المحدد الرئيسي ليس هو الشعب من خلال نسب الأفراد الداعمين أو المصوتين لهذا الزعيم أو ذاك، بل الشعب كفكرة رمزية متخيلة توجد في ذهن الشعبوي ويقررها هو. ويتصور الزعيم الشعبوي بأن الشعب يتحدث بصوت واحد ويمنحه تفويضاً لفرض سياسات معينة عندما يصل إلى السلطة، وبالتالي فلا مجال هناك للنقاش والاختلاف والتداول داخل المؤسسات التمثيلية، ويُذَكر مولر بأن ما تبينه الأبحاث في العلوم السياسية هو أن التصور الموحد والكامل لفكرة الإرادة الشعبية أسطورة أو خرافة لا وجود لها في الواقع.
يتولى مولر في الفصل الثاني الإجابة على سؤال سلوك الشعبويون عندما يصلون إلى لحكم؟، ويؤكد على أن إحدى أهم سمات السلوك الشعبوي في الحكم هي اللجوء إلى تأجيج الصراع والاحتقان، وإضفاء طابع أخلاقي رمزي على الصراع السياسي، وذلك بالاعتماد على حجج مبنية على نظرية المؤامرة ووجود قوى متحالفة ضد الشعب وزعمائه الشعبويين، لذلك يستفيد الشعبويون من خلق وضع سياسي يعاني من أزمة دائمة يتم فيها باستمرار استحضار الثنائيات السالفة الذكر، ويحدد مولر ثلاثة أساليب يلجأ إليها الشعبويون في السلطة؛ وهي أولاً، احتلال أجهزة الدولة بتمكين الموالين لهم من مناصب هامة في الأجهزة القضائية والصحافة وغيرها، ويتم ذلك دائماً باسم الشعب، وثانياً، الزبونية على نطاق واسع، أي، إسداء خدمات وأفضال لقاء الحصول على الدعم السياسي، حيث يعمد هنا الشعبويون أيضاً إلى التمييز في تطبيق القانون، وذلك بمنطق «لأصدقائي كل شيء، ولأعدائي القانون»، وثالثاً، التضييق على المنظمات غير الحكومية وهيئات المجتمع المدني التي لا تساند الخط الشعبوي أو تنتقده.
إن هذه الممارسات الثلاث للحكومات الشعبوية تطرج أسئلة مقلقة حول حقيقة علاقة الشعبوية بالديموقراطية وعن حجم المسافة التي تفصلها بالسلطوية أو الديكتاتورية، ويؤكد مولر بأنه رغم محاولة الشعبويين الحفاظ على صورتهم الديموقراطية، إلا أنهم يشكلون خطراً على الديموقراطية في حد ذاتها، وفي معرض نقاشه للباحث السياسي الهولندي كاس مودا الذي يصف الشعبوية بالديموقراطية غير الليبرالية، وهو مصطلح بدأ استعماله في التسعينيات لوصف الحكومات التي تحافظ على الديموقراطية في أشكالها الظاهرية الأساسية كالانتخابات، لكنها لا تحترم القانون وتجمد آليات المراقبة والتوازن الدستوري المؤسساتي الذي تتميز به الديموقراطيات القوية، يرى مولر بأن هذا الفصل بين الديموقراطية والليبرالية غير صحيح، لأنه لا يمكن الفصل بين الديموقراطية من جهة، وبين سلطة القانون وحماية الحقوق المدنية والسياسية والإعلام الحر من جهة أخرى، لأنها هي التي تضمن التداول السلمي على السلطة.
يرفض مولر وصف الشعبوية بالسلطوية أو الديكتاتورية، لأنه مازال ممكناً في هذه البلدان تأسيس أحزاب والكتابة والنشر على مواقع الانترنت مثلاً. لذلك يرى بأنه ربما أصبح من الضروري التفكير في توصيف جديد للسلوك الشعبوي، ويقترح في هذا السياق مفهوم الديموقراطية الناقصة أو المختلة، فهي ديموقراطية أصابها خلل وتحتاج إلى إصلاح، لكن لا يمكن تشبيهها بالديكتاتورية.
إذا كانت الأحزاب والحركات الشعبوية تضر بالنظام الديموقراطي، فلماذا إذن، يتساءل مولر، تحظى بدعم الجماهير؟ هل يعني ذلك أن هؤلاء الملايين من الأفراد هم أنفسهم ذوو شخصيات سلطوية استبدادية؟ يتناول مولر هذا السؤال في الفصل الثالث والأخير من خلال ثلاثة محاور: أولاً، تستمد الشعبوية جاذبيتها مما يمكن تسميته بالوعود المنقوضة للديموقراطية. ثانياً، تقدم الشعبوية جواباً أو حلاًّ سهلاً للسؤال المؤرق والمزمن، وهو: من هو الشعب؟ وهو السؤال الذي لا تملك الديموقراطية الليبرالية له جواباً. ثالثاً، يحاول مولر الإجابة عن سؤال جاذبية الشعبوية من خلال تقديم نبذة تاريخية عن بعض التطورات السياسية والمؤسساتية في السياقين الأوروبي والأمريكي، وهي التطورات التي بدا وكأنها تقوض مبدأ التمثيلية، فشكلت بذلك عنصراً مساعداً لصعود الشعبوية.
يتمتع كتاب مولر بأهمية بالغة فهو لا غنى عنه لفهم الظاهرة الشعبوية الراهنة بمختلف تجلياتها خاصة في السياق الأوروبي، وتتضاعف أهميته نظرا لكونه محاولة جادة للتأسيس النظري لمفهوم الشعبوية، وهو يشكل بذلك مساهمة مهمة في النظرية السياسية.