ما زال»المحافظون»يتمترسون في وحول الادوار الأمنية على حساب الدور التنموي والاستثماري والدور الاجتماعي الاقتصادي الذي رسمه لهم الملك غير مرة في أكثر من مناسبة فيما ادخلتهم تجربة مجالس المحافظات»اللامركزية» في جو الدور التنافسي ولكنه دور لم يتعد مهمة تعطيل عمل المجالس على قاعدة السلب المتبادل لمسؤوليات الوظيفة العامة وأدوارها أيا كانت مستوياتها إضافة إلى الاستغراق في الدور البرتوكولي والشكليات.
ويبدو هذا الاستهلال وجيها إذا ما دققنا في إحصائيات كشف عنها رؤساء واعضاء مجالس المحافظات مؤخرا فمثلا ونحن في الربع الأخير من عام 2018 لا تتعدى نسبة الانجاز في بعض المحافظات 12% من الحجم الكلي للمشاريع و الطامة الكبرى ان نسبة الإنجاز في معظم السنوات لاتتجاوز 40% والمفارقة الأغرب انه لا توجد مشاريع والإنجاز الذي يتحدث عنه هو في الأصل تدوير لمشاريع من سنوات سابقة وطويلة وحتما تقع المسؤولية في هذا التقصير الواضح على المحافظين لأن هذا الشأن من صلب عملهم وينسجم مع أدوارهم المدمنين عليها.
كما أن صندوق تنمية المحافظات الذي مضى على تأسيسه 7 سنوات(تاسس عام 2011) برأسمال بلغ 50 مليون دينار يكاد يخلو من اي ضجيج نجاح أو اخفاق وتسليط الاضواء ما يغري المتابع بالكشف عن مصير الملايين التى رصدت لكل محافظة ومعني بهذا الصدد بمحافظة مادبا التي حظيت بدعم يقدر ب 4 ملايين دينار سنويا لا أحد يعرف أوجه صرفها والتى قيل انذاك انها خصصت لأحداث تنمية ومشاريع لخلق فرص عمل تخفف من حدة البطالة التى تصل وفق إحصائية رسمية جديدة نحو 18%.
في غضون ذلك تلح علينا القراءة الدقيقة الطازجة لسلسة توجيهات الملك للمحافظين على مدى السنوات الماضية فنعود بالذاكرة الى المبادرة الملكية الاولى بعيد تسلم الملك بقليل سلطاته الدستورية ومن عجلون بالذات فقد دعا بمسؤولية وطنية عالية الى تحول دور المحافظ من الامني الى التنموي« وهذا وجه الضيف»!
والملك بالمناسبة وفي مناسبات عديدة وأوقات متباعدة اعاد طرح الموضوع بطريقة مختلفة بشطب الامني من التداول او انه وضعه على« الرف» مؤقتا لحساسيته الان ووسط تعديلات دستورية واسعة حدت من التوغل الامني، مسلطا مزيدا من الاضواء على الدور الاهم للمحافظ بتوجيه الاستثمارات نحو المحافظات واقامة المشاريع التنموية وانجاح تجربة اللامركزية والنهوض الجدي باوضاع محافظات المملكة وساكنيها.
فمثلا حوارات الحكومة في المحافظات حول القانون المعدل لقانون ضريبة الدخل كشفت أن طبقة الحكام الإداريين والوجهاء والشخصيات المحسوبة على الدولة تاريخيا غير قادرة على حمل المشروع وتسويقه والدفاع عنه بعكس ما كان سائدا في مراحل سابقة ومشروعات سابقة للدولة ما يعني أن هذه الشريحة من مسؤولي الدولة وأن اختلفت مسؤولياتهم ومستوياتها غير مسموعين بتاتا وبلا عظام في الدولة وطرقهم غير سالكة وآمنة مع الشعب ومنافذ الحوار بطريقة الأخذ والعطاء محكومة بامزجة متقلبة متخلخلة وتشعر بالظلم والتقصير والغبن من الدولة والحكومة وممثليها في المحافظات وبفعل عوامل ذاتية وموضوعية معروفة للجميع ومن الصعب إنكارها أو المواربة عنها.
اعتقد بتواضع ان ازمة المحافظين لا تقتصر على تذكيرهم بادوارهم الرئيسة والثانوية والطارئة أو»المدسوسة» بل تكمن بتراجع دور المحافظ من كونه يمثل الملك الى كونه موظفا عاما يدوام من الساعة الثامنة والنصف ويغادر في الثالثة ظهرا منهك من المقابلات والاجتماعات وتوقيع المعاملات ومن ثم استغراقه في العمل المكتبي ودخوله طرفا في صراعات محافظته الاجتماعية ومنطق الاستقطابات وتشكيل المحاور وانسياقه الامني او نزوعه الامني في كل شيء !!
وأعتقد أن الدور الأساسي للمحافظ إنه يمثل الملك فشل المحافظون وبلا استثناء على القيام به على أكمل وجه بدلالة أضطرار الملك بين الفينة والاخرى لزيارة المحافظات للوقوف على واقع الحال أو اللقاء بوجهاء المحافظات وحكامها ونوابها واعيانها في الديوان الملكي للتباحث والاستقراء وفي كل الأحوال توضع الأمور في خانة إضاعة الوقت أو هدره وهدر المال.
على المحافظين الاقتراب كثيرا من واقع حال الناس وان يمتلكوا ادوات المبادرة الاجتماعية فيبحثون عنها بمسؤولية عالية من التضحية والتحفيز والثناء على اصحابها.
للاسف قفز المحافظون من الدور الامني الى الدور التنموي فغرقوا في الدور الاستعراضي وتنظيم الجاهات والصلحات وحتى حل الخلافات العائلية التى سببها الطلاق والورثة.!
وحتى يكون المحافظ «صندوق عجايب» فيه كل الحلول للمشكلات التى اشر عليها الملك كالفقر والبطالة وبالتالي تكون محافظتة جاذبة للاستثمار يجب اعتماد سياسة الباب المفتوح والحوار المفتوح مع كل الاطراف الاجتماعية العشائرية والحزبية وقراءة الميدان والواقع عن قرب وتحديد الاولويات وتحدي المعوقات مستذكرا في هذا السياق بعضا من محافظين عملوا في مادبا كانوا اقرب الي الميدان وهمومه من نبض القلب وانفتحوا على كل الأطياف بكل تلويناتها بما جنبنا الكثير من التوترات في زمن زخم التوترات.