ساعدت الحالة الاقتصادية الأردنية الكثير من المواطنين على إبداء رأيهم بالشأن الاقتصادي باعتبارهم خبراء اقتصاديين، وساعدت هذه الحالة على انتشار الكثير من الأمثلة التي يجب على الأردن الاقتضاء بها، وبرز خلال الفترة الماضية اسم مهاتير محمد كمثال على رجل اقتصادي نهض بدولته من الفقر كي تعيش برخاء، وهي الصورة التي تم رسمها في أذهان الشعب الأردني وتحديداً جيل الشباب منه.
لا يمكن لأحد أن ينكر حجم الإنجاز الاقتصادي الذي قام به مهاتير محمد لدولته، ولكن يمكن أن نختلف كثيراً حول ما إذا كان مهاتير محمد قد قام بالصواب أم أنه قد أخطأ، وربما أنه وقع بأخطاء قاتلة، وهو ما يهز صورته كقائد أو زعيم لدولته وشعبه.
قد يذهب البعض إلى القول إن إعادة انتخابه بنسبة كبيرة وتشكيله الحكومة بعد اعتزاله السياسة لمدة خمسة عشر عاماً هي دليل دامغ على نجاحه وعلى كونه قائداً مميزاً لا تشق له الغبار، في حين أني أرى أن هذا الحدث بالذات هو دليل فشله كقائد وفشل مشروعه ببناء دولة ماليزية عصرية وقوية، وكلما زاد عدد ناخبيه كلما ارتفع مؤشر فشله، فلحظة فوزه بالانتخابات هي لحظة إعلان فشله كقائد وكصاحب مشروع.
إن نجاح أي زعيم دولة يقاس بقدرته على بناء مؤسسات الدولة بحيث تكون الدولة قادرة على الاستمرار بعده، وفي حالة مهاتير محمد فإن استمراره رئيساً لوزراء ماليزيا لمدة 22 عاماً متصلة، بصلاحيات مطلقة لم تسعفه لإنجاز مشروع الدولة المؤسسية، والدليل حالة الفشل والفساد التي سادت ماليزيا بعد رحيله واعتزاله السياسة، حيث كانت السنوات الخمسة عشرة اللاحقة لحكمه مليئة بالفساد والتراجع الاقتصادي، وهو الأمر الذي دفعه للعودة للحياة السياسية ودفع الماليزيين لانتخابه.
والسؤال هو إذا لم يستطع مهاتير محمد خلال فترته الأولى الطويلة إنجاز مشروع الدولة المؤسسية، فهل يستطيع ذلك وهو على حواف عمره في الثانية والتسعين من العمر؟
الجواب واضح للجميع، فمهاتير محمد لن يكون قادراً على إنجاز هذا المشروع الكبير، ربما لأنه لم يكن مشروعه في الأساس، بل كان مجرد شخص يبحث عن بطولة شخصية لا أكثر.
حين ننظر إلى ماليزيا كنموذج علينا أن نرى المنطقة المحيطة بها، فجميعها دول نهضت وصارت من أقوى الاقتصاديات، مثل سنغافورة وأندونيسيا وتايلاند وطبعاً هونغ كونغ والصين واليابان وكوريا الجنوبية، فنهوض ماليزيا الاقتصادي لم يكن حالة فردية في محيطها بل هي حالة عامة شملت ماليزيا وغيرها من الدول، في منطقة سادها الاستقرار، وكانت بعيدة عن الحروب لفترة تتجاوز النصف قرن.
الحالةالأردنية تختلف كثيراً عن الحالة الماليزية، فالأردن لم يحصل على فترة استراحة من الحروب في محيطه لمدة عقد متواصل من الزمن، وكانت كل حرب تقع في المنطقة تلقي بآثارها المباشرة وغير المباشرة على الأردن، سواء بتحمله أعباء بشرية وإنسانية، أم من خلال تحمله أعباء اقتصادية، دون وجود حليف عربي حقيقي في كلتا الحالتين.
اليوم الأردن محاط بدول تعتبر من أكثر عشر دول هشة على المقياس العالمي مثل سورية والعراق والسلطة الوطنية الفلسطينية، وهو ما يعني أن المحيط الأردني هزيل لدرجة يمنع معها النهوض الاقتصادي المأمول، وما زالت الحرب لم تضع أوزارها في منطقة تسير نحو مستقبل مجهول، كل ذلك يجعل الأردن مضطراً لخلق نموذجه الخاص به بعيداً عن التشبه والمقارنة مع أي مشروع آخر، ولحين ذلك علينا أن نتذكر ألا نصنع أبطالاً من ورق.
roumanhaddad@gmail.com
مهاتير محمد بطل من ورق
11:00 24-10-2018
آخر تعديل :
الأربعاء