كتاب

«أبومازن» .. والفرصة الجديدة!!

عين العقل ألاّ يتأثر الرئيس محمود عباس (أبومازن)، الذي هو مناضل بالأساس وأحد الأوائل الذين أطلقوا شرارة الثورة الفلسطينية المعاصرة في عام 1965 وطليعتها حركة «فتح»، بـ»زعبرات» الذين أمضوا ما فات من أعمارهم على رصيف بعيد عن فلسطين وقضيتها فهناك دائماً وأبداً من يصف البعض منهم بأنهم يرافقون سير القافلة بالصراخ و»العواء» وحقيقة أن الثورات وحركات التحرر بقيت تواصل سيرها ولا تتأثر إطلاقاً بالمزايدين وتجار الكلام الفارغ وعلى من يريد أن يتأكد من هذا أن يعود إلى البدايات حيث كان هناك من يعتبر إنطلاق الكفاح المسلح الفلسطيني مجرد نزوة مغامرين أرادوا تقليد الثورة الجزائرية وثورات التحرر التي باتت تغشى الدول التي كانت تعاني من الإحتلال والإستعمار ومصادرة الإرادة الوطنية.

إنه موقف حكيم وشجاع أن لا يقْدم (أبومازن) على خطوة الإنسحاب من إتفاق أوسلو فهو بفطنته الراجحة وباتساع أفقه السياسي وتجربته الثورية الغنية الطويلة أدرك أن التفريط بهذه الورقة الآن وفي هذه المرحلة التي هي في غاية الدقة والصعوبة سيكون خطأً فادحاً وسيكون خسارة كبيرة وإن الإسرائيليين ومعهم كثيرون سيبادرون وكالعادة إلى وصف الفلسطينيين بأنهم «ضياعوا» فرص في اللحظات الحاسمة ووصف الشعب الفلسطيني بأنه يظهر غير ما يبطن وأنه لا يريد سلاماً ولا حلاًّ سلميا وأن مطلبه الحقيقي الذي يتمسك به هو: «إمّا كل شيء وإما لا شيء»!!.

إنَّ ما يعزز ضرورة المزيد من الإمساك بورقة أوسلو هو أنه طرأت في الأيام الأخيرة مستجدات إيجابية بالنسبة لما سمي: «صفقة القرن» وأن هذا الموضوع قد انتقل من يد جاريد كوشنر إلى يد أحد القادة اليهود المؤثرين والكبار، وهنا فإنني أعتذر عن ذكر اسم هذا القائد وموقعه القيادي ومدى تأثيره على الرئيس دونالد ترمب وبعض كبار القيادات اليهودية، وهذا يستدعي أن تكون هناك مرونة فلسطينية حقيقية ولكن مع عدم التفريط بأيّ من الأساسيات والإنتقال من هذا الخندق إلى خندق جديد يعزز الإنتقال إليه القناعة المستجدة لدى المعنيين الأميركيين واليهود وأيضاً المعنيين بهذه القضية إن في الدول الفاعلة الكبرى وإن في العالم بأسره!!.

وهكذا فإنه لا بد من التأكيد على أن تشدد الرئيس (أبومازن) بمساندة بعض العرب، الذين يعتبرون قضية فلسطين قضيتهم الأولى والرئيسية وبعض القادة المؤثرين في أوروبا والعالم كله، قد أثمر بالفعل وأنه ما كان من الممكن أن يكون هناك هذا المتغير الفعلي والواعد حقا لولا أن هذا التشدد العقلاني الذي تجلىَّ في عدم التخلي عن ورقة أوسلو ولولا أن إيجابية التعاطي الفلسطيني مع عملية السلام قد أقنع قيادات يهودية فاعلة ومؤثرة بضرورة إعادة النظر بـ»صفقة القرن» هذه وضرورة إعطاء القيادة الفلسطينية ولو الحد الأدنى مما يعزز قناعتها بالعملية السلمية وعلى أساس حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 ومع التفاهم مع هذا الطرف اليهودي ..وأيضاً مع الإدارة الأميركية على بعض المتغيرات التي لا تؤثر على ما يسعى إليه الشعب الفلسطيني.

إنها فرصة حقيقية لا بد من التمسك بها ويجب عدم إضاعتها بالإستماع إلى مزايدات المزايدين فلسطينيين وعرباً والمؤكد أن (أبومازن)، القائد والمناضل والرئيس الذي يحمل على كتفيه أمانة تاريخية، يعرف كثيراً أكثر من غيره أنه يجب إلتقاط أي إيجابية مهما كانت صغيرة والبناء عليها للخروج من كل هذا الإستعصاء الذي تواصل كل هذه السنوات الطويلة وحيث قد إزداد الطين بلَّة، كما يقال، أن»حماس» لم تتق الله بشعب من المفترض أنه شعبها وأنها قد بادرت في أكثر اللحظات خطورة في المسيرة الفلسطينية الطويلة والمكلفة إلى إفتعال هذه الثنائية القيادية ووضعت في أيدي عتاة التطرف الإسرائيلي ذريعة لعرقلة هدف إقامة دولة فلسطين المستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة وعلى كل الأراضي التي أحتلت في عام 1967.