كتاب

الانتماء الشامل



الانتماء رابطة عضوية بين الشيء وأصله، وبين الفرع وجذره، تشبه حال التطورعبرالزمان والمكان، وهو عملية وراثية تتوارثها الاجيال على شكل عادات وتقاليد وتراث تعمق مع الايام، واصبح معلما من معالم الحياة الثقافية التي تتمخض عنها هوية الشعوب كحالة تاريخية اجتماعية ذات قيم اخلاقية وجمالية تصنع نوعا من العلاقة الدائمة والفهم المشترك الذي يربط الانسان بثوابت فكرية وسلوكية اساسية تحدد ملامح المجتع الحضارية وتطلعاته المستقبلية، ومدى جاهزيته لنقل الرسالة التي تحدرت اليه من الماضي لتكون حاضرة في متناول الاجيال القادمة.

والانتماء الحضاري وصف لروح العصر وثقافته التي تفرض نفسها على الانسان من خلال المفاهيم المتداولة فيه،والاسلوب الحضاري والسلوك الوظيفي المتبع وسط مجتمع عالمي له نظرته الاستراتيجية الناتجة عن تطور العلوم الطبيعية والانسانية التي اسهمت في بلورة صيغ فكرية، وأطر محددة لايستطيع الفرد الإ التعايش معها، كما أن التاريخ الذي هو مختصر قصة الحضارة المتجددة، وحلقة وصل بين الاجيال لفهم موحد ولغة مشتركة تتيح المشاركة في خيارات ايجابية ترسي قواعد السلام والتواصل بين الشعوب كبديل للممارسات السياسية السائدة التي تنتمي الى افكار وسلوكيات لاتلائم روح العصر، ولا تنسجم مع المنجزات الحضارية الرائدة الامر الذي ادى الى مفارقات محزنة تسود عالم اليوم.

والانتماء القومي او الولاء للأمة ليس مجرد تابعية، أو وثيقة سفر رسمية،بل هو اعتناق للتراث ومفاهيم الامة التي رسخت عبر الاجيال المتلاحقة، وصبغت طابعها، وحددت ملامح هويتها وتميزها عن سواها، واستيعاب لرسائل الماضي التليد كمحصلة تاريخية تعطي الاضاءة الكافية للحاضر الذي بدوره يشكل النظرة الواعية للمستقبل، وتقوي فاعلية المواطنين المنتمين بالفطرة لأوطانهم التي نشأوا فيها في أرجاء الوطن العربي الكبير مع حاضنتهم الأم، وبما يمكنهم ليكونوا حلقة من حلقات الانتماء الاكبر باعتبارهم جزءاً يكمل الكل ويرفد الوحدة المنشودة، ويمدها بالقوة اللازمة لاعلاء شأنها بصورة لاتقبل التأويل أو التحليل الجزافي.

والرابطة الدينية المقدسة المتفردة بالايمان المحض التي تنتمي الى عالم الخلق والايجاد، والمبدأ والمعاد، والسنن الكونية النافذة، ومسؤولية الكائن البشري جزاء عمله من خلال حرية الاختيار التي جبل عليها، والعبودية المطلقة لخالقه التي لايمكنه الا الانصياع لها بالفطرة من أجل استقراره وانسجامه مع حركة الكون والحياة ليؤدي وظيفته المنوط بها، والتي خلق من أجلها، وهي التوحيد المطلق والخضوع للمشيئة التي تتحكم في الوجود، والاعتراف بالنعمة والشكر الدائم الأمر الذي يؤكد حقيقة الايمان المتعالية غير المقيدة، كذلك هدي السنة النبوية المشرفة التي من شانها ضبط الفكر والسلوك الديني حتى لايخضع للتفسير الافتراضي والاجتهاد الفردي أوالتوظيف الدنيوي.

واللامنتمي المنغلق على نفسه، الذي لايعرف طريقا يهتدي اليه، أو ارضا يقف عليها في تيه عبثي غير مجد، ومفازة لامتناهية من الحيرة والشك كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى لايكون له ولاء الا عن رغبة او رهبة كما ضل في ذلك الكثير من الخلق ليجد نفسه في نهاية المطاف وقد حصد السراب في ظل اوهام افتراضية صنعتها احلام اليقظة والفردية الجامحة، وغياب الارادة والاستقامة، وكل ذلك بسبب البدايات الخاطئة التي لو صحت لصلحت معها النهايات الواعدة.