الإصلاح والدين في مجال علماني

تاريخ النشر : الأحد 11:15 21-10-2018
حسن أبو هنية

منذ بروز إشكالية الدين والعلمنة في المجال التداولي الغربي واقتحامه في المجال الجيوسياسي العربي مع صعود الكولونيالية والغزو الاحتلالي، بدا أن مسارات صناعة حداثة عربية لا يمكن أن تنجز دون الأخذ بخطة الإصلاح الأوروبي وتتبع مساراتها، ورغم مرور أكثر من قرن على جدل علاقة الديني بالعلماني لا تزال سياسات الهوية تطبع تصورات الإصلاح بتدبير علاقة المجتمع والدولة في العالم العربي على شاكلة العالم الغربي، فالأدوات والأهداف تتبع منطق الإلغاء الهوياتي فمن سيقود المجتمع الدولي في المستقبل لن يكون سوى رجل على دين العلمانيّة، باعتباره النظام الوحيد العادل والعاقل الذي ينبغي على كوكب الأرضِ بأكملهِ تبنيَه حسب جوزيف مسعد.

كان الانثروبولوجي الكبير طلال قد توصل إلى أن مهمة العلمنة الليبراليّة باتت تتمثل بــ»إعادة تشكيل» التقليد الإسلامي «على شاكلة المسيحيّة البروتستنتيّة الليبراليّة»، إذ تُصوّر العلمانوية اللييرالية مقاومة المسلمين لهذه المهمة الجليلة على أنها رفضٌ للحداثة ولقيم الليبراليّة كالحرّيّة، والتحرّر، والمساواة، والحقوق المدنيّة، والمواطنة الديمقراطيّة، وحقوق النساء، والحقوق الجنسيّة، وحرّيّة العقيدة، والعلمانيّة، والعقلانيّة، إلخ حسب مسعد، وتمثل أطروحة نادر هاشمي حول خطة الإصلاح نموذجا للمطالبة بتحويل الإسلام إلى بروتستانتية كقنطرة للدخول في أفق الديمقراطية الليبرالية، ففي سياق بحثه عن نظرية ديمقراطية للمجتمعات المسلمة، يشير أن ظروف صعود الأصولية الإسلامية في الشرق الأوسط في القرن الواحد والعشرين، هي مشابهة في سياقها السياسي وخلفياتها الاجتماعية/الاقتصادية للحركات الأصولية البيوريتانية، التي شهدتها أوروبا في القرن السادس عشر والسابع عشر، إذ يرى هاشمي أن المقارنة بين بعض الأحداث التي شهدها العالم الأوروبي، وما يشهده العالم الإسلامي اليوم، يمكن أن تساهم في تسليط الضوء على حالة «لوثرية» تقف على تخوم العالم الإسلامي، خاصة أن هذا العالم «يقف اليوم على مطالع القرن الخامس عشر للهجرة، وهو ما يقابل في تاريخ المسيحية قرناً قبيل تعليق مارتن لوثر القضايا الخمس والتسعين على باب كنيسة قلعة فيتنبرغ.

إذا كان الدين عبارة عن نسق رمزي ينتج عن دخول الإنسان في علاقة مع قوة متعالية، محورها إعطاء معنى لوجود الإنسان في الكون، فإن السياسة عبارة عن نسق من علاقات القوة المادية ينظم التعايش والنزاع والهيمنة، ولا يعني ذلك فصلا بين المجالين فالإنسان كائن سياسي وديني في نفس الوقت، فالبشر على مدى التاريخ لم يقوموا بهذا الفصل التعسفي، وإنما حدث ذلك بسبب طغيان النزعة الوضعية المتحجرة وولعها برسم الحدود بين المجالات، فتجربة التعايش بين البشر لا تنفصل عن تجربتهم للعالم المرئي واللامرئي، كما يؤكد «كلود لوفور» كما أن التمييز بين الحقيقة والخطأ وبين الشر والخير وبين العدل والظلم، لا يهم علاقات البشر في حياتهم الاجتماعية فقط، فتبلور المجتمع السياسي يتضمن سؤالا حول الكون والكينونة، كما أن التداخل بين الديني والسياسي صبغ التجربة الإنسانية منذ آلاف السنين قبل أن تضعه الحداثة الغربية موضع التساؤل، وهو ما أكد عليه «جورج بالانديه» في دراسته لعلاقة الدين بالسلطة، فالمقدس حاضر في صلب السلطة دائما وأبدا.

تأتي أطروحة الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن في كتابه «روح الدين» في هذا السياق إذ يقوم على اثبات الوجود الإنساني المزدوج بين عالمي الروح والمرئي؛ فالإنسان كائنٌ مُتَعَدٍ ومشترك في الأصل والفطرة، والتغييب هو استبعاد العامل الروحي والتزكوي لصالح حُبّ التسيُّد(= التسلُّط) وشهواته، وهذه هي علة قصور العلمانية ومقتلها، فالعلمانية تعتبر التدين وضعاً يتعلق بدواخل الأفراد، فتُدخل العمل الديني في الدائرة الخاصة، وتترك الدائرة العامة مجالاً للعمل السياسي، ويؤدي ذلك بوعيٍ أو بدون وعي إلى أمرين يفترضان مستحيلين: التسيُّد أو التربُّب باعتبار التفرُّد، ونفي التدبير عن الدين، والتعبُّد عن السياسة، والحقُّ بحسب عبد الرحمن أنّ هناك تداخُلاً بين الدين والسياسة.

من أبرز الآليات التي توسّلت بها الحداثة في إقامة مشروعها الدنيوي كما بيّن طه عبد الرحمن في كتابه «بؤس الدهرانية» وخَصَّها بالذكر آلية «تفريق المجموع»، أو آلية «فصل المتصل»، إذ تعاملت الحداثة مع المرجعية الدينية، عبر فصل العلم عن الدين، كما فصلت عنه الفن والقانون وصولا إلى فصل السياسة والأخلاق، وبحسب طه عبد الرحمن فإن مشروع الحداثة القائم على انتزاع قطاعات الحياة من الدين يؤسس لما أطلق عليه «الدُّنيانية»، حيث تتعدد صور الدُّنيانية بتعدد هذه الفصول، فتكون العَلمانية، مثلا، هي الصورة الدُّنيانية التي اختصت بفصل الدين عن السياسية (أو «العَلمانية الجزئية» بتعبير عبد الوهاب المسيري)، والعِلمانية هي الصورة الدُّنيانية التي اختصت بفصل العلم عن الدين.

ثمة خطة إصلاحية مغايرة بدأت تتبلور في العالمين العربي والإسلامي تتجاوز منطق سياسات الهوية الإصولي، حيث باتت الديمقراطية أحد أهم الأركان المؤسسة للخطاب الإسلامي الإصلاحي الجديد، فيما بقي التيار الأصولي ملتزما بالتبرؤ من كلاهما والحكم بكفرهما، ومن الملاحظ أن الخطاب الإصلاحي الجديد بدأ يعيد النظر في مسألة العلمانية، فقد ظهرت أطروحات ومقاربات تعمل على تأسيس علمانية إيمانية بناء على أطروحة العلمانية الجزئية والشاملة كما بلورها عبد الوهاب المسيري، ولقيت أنصارا من أطراف مختلفة، كما أن بعض حركات الإسلام السياسي عمل على تطوير أطروحة حول العلاقة بين الديني والسياسي، ارتكزت على التفريق بين أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم، والفصل بين مجال تدبير الشأن العام والخاص، وقد لقي هذا الاجتهاد الذي تقدم به حزب العدالة والتنمية في المغرب استحسانا وقبولا لدى قطاعات واسعة من أتباع الإسلام السياسي، الذي دخل في مرحلة ما بعد الإسلام السياسي.

لا شك أن التجربة التركية دشنت حقبة جديدة في خطة الإصلاح، إذ برهنت على سعة الاجتهادات في المجال التداولي الإسلامي، فقد لاحظ عياض بن عاشور أن الوعي السياسي في الإسلام لم يعرف ما يشبه معركة اللائكية كما عرفها الغرب وذلك رغم وجود أدبيات سياسية دنيوية « فالدين كان دائما بمثابة الإطار المرجعي سواء بشكل صريح أو ضمني ، ووجود سياسة لا تستند إلى الوحي لم يغير شيئا في ذلك ، إن هذه المشكلة لم تظهر في العالم الإسلامي إلا مع القرن العشرين بعد الحرب العالمية الأولى وإلغاء الخلافة العثمانية «، من هنا فإن المسألة العلمانية المؤمنة سوف تصبح أحد أهم أطروحات الإسلام السياسي في المرحلة المقبلة، رغم الاعتراضات التي لا تزال تدور حولها.

رغم أن العلمانية ليست كلمة سحرية وعلاجا ناجعا لسائر العلل التي تنخر جسد العالم العربي والإسلامي بدءا بالفساد وانتهاء بالاستبداد، فمعظم الدول العربية والإسلامية تتبنى نظاما علمانيا منذ زمن ما أطلق عليه «الاستقلال»؛ إلا أن ذلك لم يشكل حصانة تمنع من تفجر العصبيات والطائفيات، ويبقى أن نقول إن الديمقراطية أو العلمانية أو غيرها من المفاهيم المنقولة، لا إشكال في استخدامها ليس بحسب تحققها تاريخيا هنا أو هناك وإنما من خلال بعث روحيتها التي تتأسس على أخلاقية راسخة في الممارسات والتواريخ المخصوصة .

خلاصة القول أن الدين نهج أخلاقي تزكوي حسب طه عبد الرجمن، باعتباره يشكّل وازعاً في التدبير الدنيوي والسياسي يُخرج من أَوهام التسيُّد، كما أنّ السياسة أو تدبير الشأن العامّ، إنما تُصبح إنسانية في الوقت نفسه إن تواصل في نطاقها الروحي مع المرئي والمادي والعامّ، فالدين نهجٌ روحي وأخلاقي أو أفقٌ في رؤية العالم وتدبيره، وليس فرضاً من خارج على الدولة وإدارة الشأن العام، وافتراضُ التمايُز بين الدين والدنيا لا يستقيم، من خلال قصر مفهوم الديني على الروحي، والدنيا على المادّة، ولا يصح اعتبار الدولة الإسلامية مدنية أو حتّى دينية، فهذه جميعاً مقولات لا تعدو كونها ردود أفعال على تحديدات العلمانية وتسلّطاتها وانفصالاتها.

[email protected]

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }