لماذا هذا الإهتمام الداخلي والخارجي غير المسبوق بانتخابات الأعضاء الجدد في الكونغرس الأميركي، أو الانتخابات النصفية الأميركية؟
يعتقد البعض أن اللعبة الديمقراطية في الولايات المتحدة تسير على حبل مشدود، أو حد السيف، في زمن الرئيس ترمب، الذي تجاوز المؤسسات واقترب كثيراً من الحكم الفردي، وهو يحاول تأمين «مظلة مالية خضراء» تغطي نهجه من خلال إدخال الأموال إلى الخزينة وتأمين فرص عمل جديدة، وكسب شعبية في شارع العاطلين عن العمل على حساب المسألة الأخلاقية والإنسانية، وكل الثوابت التي كرسها أسلافه في البيت الأبيض منذ عهد جورج واشنطن حتى الأمس القريب.
الثابت أن الرئيس الأميركي يعاني من هواجس المال والقوة، لذلك يصر على نهب ثروات الآخرين، بهدف توفير المزيد من الأموال وفرص العمل والانفاق على التسليح لإعادة بناء امبراطورية الثروة والقوة، أي «أميركا القوية». هو اليوم تائه بين الواقع والمتخيل، يتقلب على جمر المال والسلاح، يتخذ قرارات سريعة متناقضة غير مدروسة، أوقعت بلاده في سلسلة من الأزمات الداخلية والخارجية، حيث انتشرت بؤر التوتر في كل الجهات، وعمت العالم حالة من الفوضى أخذت بلاده إلى عزلة دولية.
بمناسبة الحديث عن عزلة الولايات المتحدة وخلافاتها المتصاعدة لدرجة الصدام مع دول أخرى، نشير إلى قرار الرئيس ترمب الانسحاب من المعاهدة مع روسيا حول الصواريخ المتوسطة وقصيرة المدى، وهو بذلك يكون قد انسحب من معاهدات ثنائية وأممية عديدة، لاعتقاده بأنه يعيد الولايات المتحدة إلى قيادة العالم كما كانت في زمن القطب الواحد.
لذلك نرى هذا الاهتمام العالمي المتزايد بالانتخابات الأميركية النصفية، لأن العملية ستكون بمثابة الاستفتاء على شعبية وسياسة ومستقبل ترمب، وأعتقد أن الحزبين الجمهوري والديمقراطي سيستخدمان كل الوسائل المتاحة في هذا الصراع، وإن كان البعض يعتقد أن اهتمام الشعب الأميركي ينصب على الانجازات الداخلية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، أكثر من اهتمامه بالسياسة الخارجية وتعقيداتها.
لذلك يجب أن نهمل الجانب الآخر من الصورة وهو أن الأميركيين، بطبعهم وثقافتهم، يعشقون الحاكم القوي «البطل – الكاوبوي» حتى لو كان متهوراً، وأعتقد أن ترمب نتاج هذه الثقافة العنصرية، فهو يعادي وسائل الإعلام في محاولة لكبح حرية التعبير، كما يجاهر ويعتز بعمليات ابتزاز الدول النفطية ونهب ثرواتها، ويريد أن يتحكّم بكميات الانتاج وأسعار النفط العالمي، ويحاصر ويعاقب كل الدول التي ترفض نهجه أو تنتقده أو تعاديه ويعد شعبه ببناء «أميركا القوية»..
ولكن هذا لا يعني أن كل الشعب الأميركي يؤمن بهذا الطيش المطلق، أو يؤيد ما يمثله الرئيس ترمب من خلال نظريته التجارية القائمة على حساب الربح والخسارة، فهناك من يؤمن بوجود اصلاحات مطلوبة ووجوب دعم المؤسسات التشريعية والمبادىء والقيم، ويرفض كل ما يمثله ترمب، ويعمل على مدار الساعة لاخراجه من البيت الابيض، لذلك نراهم يستخدمون جهله وأخطاءه وهفواته وزلات لسانه وتناقضاته كسلاح في معركة حامية شرسة، وهو يدرك أنها ستكون بمثابة الاستفتاء الأوسع والأخطر عل شعبيته.