لكل بلد ولكل مجتمع منارات شامخة صامدة، لايهزها ريح، ولا تزعزعها عاصفة، تحمل في نورها الساطع، معالم تاريخ وتطلعات مستقبل وعبء الحاضر.. هي علم وعلامة، ليس لعمان وحدها بل للأردن قاطبة، هذا هو مستشفى البشير.
هذا العالم الجليل، مستشفى البشير، يبلغ من العمر (64) عاما، فهو من مواليد 1954، ولد جنينا وتدرج في سلم العمر، وهو الان الشيخ الاعظم والأضخم، منتصب القامة، اكحل العينين، مرفوع الجبين، ابيض القلب، نقي الطوية، قوي الشكيمة، جبل المحامل، يغيث الملهوف، ويفزع للجريح.. رغم كل الاعاصير..!؟. يحمل في قلبه ورئتيه (1100) سريرا، يحتضن كل الاولاد وحتى احفاد الاحفاد، وهو الجد الاعظم والاكبر لهم..
هذا الجد الاعظم يحتضن بين جانبيه (3000) ابن وحفيد، منهم (850) طبيبا، وهذه الالاف، تشكل بمجملها ودورانها وتداخلاتها، خلية بشرية، تشبهها خلية النحل! وهي متنوعة متناغمة متناسقة في المهام والاداء والعطاء، في كل مجالاتها: النسائية والاطفال والباطنية والجراحة والعينية والمخبرية والغذائية والاشعة والتنظرية واللوجستية والقلب والادارية... تتقدمها محطة اسعاف وطوارئ لا تعرف النوم ولا الكلل،. فهي راس الحربة في العطاء والتحدي، لا يضنيها التعب ولا التجاوزات..؟! لا يثنيها عن والفزعة والقيام بالواجب، الا ثقل الحمل، وحجم المهام، وظلم الاحباب، يسكن هذه المحطة 50 طبيبا، ويساعدهم كادر كبير من التمريض والفنيين.. يراجعها سنويا 590000 شخص.
واذا كانت خلية النحل لا تستقبل ضيوفا او زوارا، الا ان خليتنا الكبرى هذه، هي اصلا ليس لها رؤية او مهام سوى استقبال الزوار والضيوف، والترحاب بهم، وتخفيف آلامهم، وتقديم الامل بدل اليأس، والحياة بدل الظلام.. ويبلغ عدد ضيوفها (البياتين ) أي عدد حالات الدخول السنوية 91 الف مريض، اما مجمل مراجعين المستشفى فهم مليون ونصف المليون مراجع سنويا.
وها هو هذا الصرح الشامخ يثير قضية كالخيال غريبة عجيبة علينا، هب لها المجتمع الأردني بكل مكوناته، واصبحت حديث المجتمع حيثما واينما كنت.
انه يئن من الالم ويصرخ من شرخ في الدماغ اصاب مركز ضبط العمليات الحسابية، مما استوجب اجراء عملية جراحية دقيقة وسريعة كحالة طارئة لا تقبل التأخير، ولا بد من الوصول الى التشخيص والمداخلة الطبية خلال (10) ايام، وهذه الايام العشرة ما هي الا مؤشر ايجابي لمنعطف تاريخي مأمول، ولعل هذا الحدث الضبابي يكون نقطة انطلاق او امتداد لما سمي بـ (مشروع اصلاح القطاع الصحي).
ولا شك ان الطريق الى تحقيق هذا المشروع تبدأ من مستشفى البشير، والعشرة ايام ستؤكد هذه الحقيقة العلمية الطبية، وأهل الطب أدرى بشعابه.