تكاثرت اخيرا الإعلانات عن القضاء على»الإرهاب»في سوريا منذ نهاية العام الماضي من قبل كافة الأطراف المنخرطة في سياقات الحرب على الإرهاب، وذلك عقب طرد مقاتلي تنظيم «داعش» من أماكن سيطرته الحضرية المدينية، وفي حقيقة الأمر فإن تحول أي منظمة إرهابية من حرب العصابات التي تتموضع في الأرياف والفضاءات الصحراوية النائية عادة وتشن هجمات انتقامية إلى وضعية الحرب الكلاسيكية هي حالة استثنائية غالبا، فمخاطر الحركات الإرهابية عموما تقوم على منطق حرب العصابات وتكتيكات إرهاب المدن، وقد كشفت الهجمات المباغتة المتكررة التي ينفذها تنظيم «داعش» في مناطق مختلفة في سوريا عن تجذر المخاطر الإرهابية في البيئة السورية، في ظل حالة التنافس والصراع الدولي والإقليمي على الأراضي السورية، وعدم التوصل إلى حل سياسي والاختلاف حول إعادة الإعمار وعودة النازحين.
بعد مرور أكثر من سبع سنوات على الصراع، تحولت سورية الآن إلى ساحة قتال فريدة في العالم حسب خيراء معهد»واشنطن»للقوى العسكرية الأميركية والروسية والتركية والإسرائيلية والإيرانية، الكل يعمل مع قوى من الجيش العربي السوري وحزب الله اللبناني وميليشيا شيعية مدعومة من إيران، والحركات القومية الكردية وأعداد عريضة من مجموعات سنية معارضة تتراوح بين القوى المعتدلة المدعومة من الولايات المتحدة إلى القوى المتطرفة المتحالفة مع القاعدة وداعش يكملها الظهور الدوري للقوة الجوية الإسرائيلية. يؤكد تنوع الوجود العسكري أهمية سورية بوصفها حلبة بارزة في التنافس الاستراتيجي في الشرق الأوسط اليوم، للقوى الإقليمية والعظمى في آن معًا. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة فإن الشأن السوري هو: «موطن لعاصمة «داعش» المحررة حديثًا التي تبقى أرضًا محتملة لتوليد المجندين لطور مستقبلي محتمل للجهادية السنية العنفية»، و»حلقة حاسمة في مساعي إيران للسيطرة على ممر أرضي من البحر المتوسط إلى جنوب غرب آسيا، ولفتح جبهة أمامية ضد إسرائيل».
كان واضحا منذ الإعلان عن هزيمة تنظيم «داعش» والقضاء على مشروعه السياسي كـ«دولة خلافة» نهاية 2017، كما سيظهر مع نهاية مشروع إمارة القاعدة وأخواتها في إدلب، أن ذلك لا يعني نهاية هذه التنظيمات، وإنما نهاية حقبة السيطرة المكانية ونظام الحكامة، والأمر الذي يؤدي إلى تركيز التنظيمات الإرهابوية على إعادة بناء وهيكلة «المنظمة» وضمان الاستمرارية من خلال القدرة والفعالية على تنفيذ هجمات مركبة في مناطق عديدة في سورية فضلا عن تنفيذ الهجمات الخارجية الانتقامية كما حدث في هجوم الأهواز في إيران اخيرا،
إذ تعمل هذه التنظيمات إلى العودة للعمل كمنظمة لا مركزية وتتمتع بالقدرة والفعالية على تنفيذ هجمات مركبة في مناطق عديدة في سورية، وحسب منسّق الدبلوماسية الأميركية لمكافحة الإرهاب ناثان سيلز في فبراير الماضي فإن «تنظيم داعش يتأقلم مع انتصاراتنا، فما نراه هو أن تنظيم داعش يصبح لامركزيًا على نحو متزايد».
إن تحول التنظيمات الإرهابية من نمط الحروب التقليدية الكلاسيكية وتكتيكات حروب المدن إلى حرب العصابات وتكتيكات الاستنزاف يفرض تحديات مركبة مختلفة على طبيعة الحرب على الإرهاب، ورغم أن تنظيم «داعش» لن يتمكن من الحفاظ على المناطق التي يستعيدها من خلال الهجمات المركبة الواسعة، إلا أنه يرهق القوات المدافعة ويلحق بها خسائر فادحة ويستنزفها، فلا تزال التكتيكات العسكرية لتنظبم»داعش»تتحدى المبادئ التقليدية التي وضعها «ماوتسي تونغ»و»تشي غيفارا»وغيرهم بشأن الحروب غير المتكافئة، فإن تصرفات التنظيم تكشف في الواقع عن فهم متطور لتكتيكات القتال غير المتكافئ، إذ يضع «ماو» ثلاث مراحل للحرب الثورية: المرحلة الأولى يكون تركيز المتمردين على التعبئة الشعبية مع اغتيالات للأفراد الرئيسيين للجانب الحكومي، في المرحلة التالية يتم تصعيد حرب العصابات مع تكتيكات الكر والفر التقليدية في مواجهة قوات الأمن، وأخيرا، وبعد أن تكون الحركة قد اكتسبت القوة الكافية وضعف الخصم في المقابل، يخرج المتمردون إلى الحرب التقليدية وينخرطون في معارك ضارية مع القوات الحكومية، مع الهدف النهائي المتمثل في إلحاق هزيمة ساحقة بهم والاستيلاء على السلطة.
لقد تكيفت عسكرية تنظيم»الدولة»سريعا في مواجهة الضربات الجوية للقوات الأميركية حسب معهد»دراسات الحرب»وتجنبت نشر تشكيلات كبيرة من الوحدات المدرعة، وفضلا عن ذلك، استخدمت تكتيكات المناورة بالوحدات الصغيرة مستغلة الفرص من أجل التغطية والتخفي، كما استخدم التنظيم مجموعة من الهجمات المتنوعة والمفاجئة للإجهاز على قوات تتفوق عليه عدديا في مناسبات عديدة عاكسا دراية عسكرية كبيرة تنافي الاعتقاد السائد حول الاستعداد الطائش للمجموعة لتلقي خسائر في صفوفها.
تكشف الهجمات الأخيرة لتنظيم»داعش»في مناطق عديدة في سوريا كما حدث السبت الماضي في أرياف دير الزور ومن قبل في ريف السويداء عن قدرة التنظيم على شن هجمات مميتة، وتفسر التكتيكات والاستراتيجيات العسكرية للتنظيم قدرته على الصمود والتوسع أحيانا، فالجمع ما بين تكتيكات «إرهاب المدن» كالهجوم بطوابير السيارات المفخخة بقيادة انتحاريين، والاستخدام المُكَثَّف لسلاح القناصة والاغتيالات قبل وأثناء الهجوم، إلى جانب أساليب الحروب الثورية التقليدية كاستخدام الوحدات المختلطة من العسكريين والمتطوعين المدربين، السريعة الكر والفر، والصغيرة العدد، إضافة إلى التكتيكات النظامية التقليدية كاستخدام المدفعية الخفيفة والثقيلة والمدرعات والدبابات، وكذلك الأنواع المختلفة من الصواريخ الموجهة وغير الموجهة أثبتت فعالية كبيرة رغم قلة العدد، ورغم أن أسلوب الحرب النظامية التقليدي للتنظيم قد تم تقويضه إلى حد كبير بفعل الضربات الجوية للتحالف، فإن التنظيم استطاع تجنب المزيد من الخسائر عبر تفريق وإخفاء الأسلحة الثقيلة وبعض العربات المدرعة والدبابات التي نجت من القصف.
رغم انتشار خلايا تنظيم «داعش» في مناطق جغرافية عديدة في سوريا، إلا أن قطاع البادية والصحراء هو الأكثر خطورة، لا سيما البادية السورية جنوب نهر الفرات وصولاً إلى الحدود العراقية السورية، وجيوب التنظيم في المحطة الثانية وقرية حميمة ومحيطهما، التي يشن التنظيم انطلاقاً منها هجمات متفرقة على مواقع سيطرة النظام السوري والمليشيات الإيرانية، وعلى مواقع قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أميركيا، ويعتبر فرع البادية والصحراء التابع لمقاتلي»داعش»في سوريا الأخطر كما تكشف هجماته الأخيرة على قوات سوريا الديمقراطية، والتي أسفرت عن عن مقتل 37 عنصراً من قوات سوريا الديمقراطية، وأسر آخرين، واختطاف 130 عائلة في هجوم مباغت شنه التنظيم على مخيم البحرة بمحافظة دير الزور في 13 أكتوبر الماضي، ولا تزال المعارك العنيفة متواصلة بين عناصر التنظيم، وقوات سوريا الديموقراطية المدعمة من التحالف الدولي، وذلك على محاور الباغوز والسوسة وهجين ومحاور أخرى متفرقة في القطاع الشرقي من ريف دير الزور، حيث الجيب الأخير للتنظيم، في المنطقة، وكان تنظيم «داعش» قد نفذ عملية مماثلة في السويداء في 25 يوليو الماضي.
خلاصة القول أن سوريا لا زالت بعيدة عن الاستقرار، فالحالة المعقدة في سوريا لا تزال تشكل بيئة مثالية لانبعاث المنظمات الإرهابية، وتنامي قدرتها على الاستقطاب والتجنيد المحلي، وإذا كانت مسألة فقدان التنظيمات المصنفة كحركات إرهابية لمناطق سيطرتها توشك على النهاية، فإن المؤكد أن عملية إعادة الهيكلة التنظيمية لسلالات «القاعدة»و»داعش»في سوريا، باتت الخيار المفضل في المستقبل، وهو نهج يقوم على إعادة الاعتماد على سيناريوهات المنظمات اللامركزية وتكتيكات حرب العصابات وإرهاب المدن، ودون التوصل إلى حل سياسي في سوريا استنادا إلى قرار مجلس الأمن 2254 الذي يدعو إلى الانتقال السياسي كخطوة ضرورية لضمان الاستقرار والأمن وإعادة الإعمار، فإن المخاطر الإرهابية لا يمكن تجنبها.
مخاطر الإرهاب لا تزال متجذرة في سوريا
11:15 14-10-2018
آخر تعديل :
الأحد