نهاية أوسلو وسيادة مبدأ السلام بالقوة

تاريخ النشر : الأحد 11:30 16-9-2018
حسن أبو هنية

تتزامن الذكرى الـ 25 لمعاهدة «أوسلو» مع تنامي الحديث عن صيغة أميركية جديدة للسلام تحت مسمى «صفقة القرن»، تتجاوز أوسلو وتعلن عن نهايته المحتومة في ظل إدارة أميركية تتماهى مع الأطروحات الإسرائيلية حول مفهوم السلام، الذي يستند إلى مبدأ»السلام بالقوة»كما نصت عليه وثيقة الأمن القومي الأميركي الترامبية الأخيرة، وهو ما شجع إسرائيل على فرض»قانون الدولة القومية اليهودية»يوليو الماضي الذي يُعرِّف إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي، ويجعل من نظام الفصل العنصري المطبق فعليا حكما قانونيا، ويجسد الركائز الأساسية لنظام الفصل العنصري، الذي يشرعن التمييز كقيمة دستورية قانونية من خلال الالتزام بالتفوق العرقي اليهودي كحجر أساس لمؤسسات الدولة.

نهاية أوسلو كانت تنتظر فقط إعلانا رسميا بدفتها، فهي منتهية واقعا، وقد جسدت الإدارة الأميركية نهايتها مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عبر سلسلة من القرارات والإجراءات كان آخرها إغلاق واشنطن مقر البعثة الفلسطينية لديها، فبحسب ناثان براون في مقاله نشرها في مركز كارنيغي بعنوان»طريق زائف إلى الدولة»مسحت الخطوات واللغة الأميركية الأخيرة التركيز عن الدولة، وهي تشي برفض المواقف الفلسطينية من جميع مسائل «الوضع النهائي». وتشمل هذه الخطوات التشديد على الوضع الإنساني في غزة مع إنحاء اللائمة كاملة على حماس؛ والزعم بسحب مسألة القدس»عن طاولة» المفاوضات؛ والتهديد بتجاوز القيادة الفلسطينية عبر عرض منافع اقتصادية على الفلسطينيين؛ أو من خلال المسار الدبلوماسي مع الحكومات العربية؛ وقطع المساعدات عن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، المكلّفة الاعتناء باللاجئين الفلسطينيين. وكل ذلك وسط تلميحات عن إسقاط صفة اللجوء عن اللاجئين.

أحدى المفارقات اللافتة أن رفض اتفاق أوسلو والإشارة إلى عدم عدالته وصلاحيته والمطالبة بإعلان نهايته لا يقتصر على معظم القوى والتيارات والشخصيات الفلسطينية، بل إن معظم الإسرائيليين يرفضونه وبعتبرونه منتهيا، وهو ما تراه الإدارة الأميركية الحالية، وقد شكلت المعادلة الرئيسة لاتفاق أوسلو في إعلان المبادئ الصادر في 13 أيلول/ سبتمبر 1993، تحت عنوان «الأرض مقابل السّلام» إشكالية تأويلية تفسيرية بين السلطة الفلسطينيّة والحكومات الإسرائيليّة المتعاقبة، فهذه المعادلة حسب جوزيف مسعد هي التي تنزاح بالعمليّة بِرُمَّتها بافتراضها ضمناً أنَّ لإسرائيل»أراضي»ستكون مستعدة لمنحها»للعرب»، وأنّ»العرب»بوصفهم مسؤولين عن حالة الحرب مع إسرائيل، بمقدورهم منح إسرائيل السلام الذي تتوق إليه منذ عقود، إذ إنّ إلقاء مسؤولية الحروب العربيّة ـ الإسرائيليّة على عاتق»العرب»هو رؤية نموذجيّة لا تخضع لأية مساءلة في الغرب.

إنَّ حقيقة كون فلسطينيّين قد تنازلوا عن مطلبهم العادل المشروع بـ77 بالمائة من فلسطين ويفاوضون على سيادتهم المستقبليّة على مُجرَّد 23 بالمئة من وطنهم، لا تصلح لمعادلة»أرض مقابل أرض» لأن تبنى عليها»عمليّة السّلام»، إذ إنَّ الصيغة الصحيحة من منظور فلسطينيّ، يجب أن تكون معادلة»الأرض مقابل السلام»، إذ إنَّ الفلسطينيّين هم من يتخلى بموجبها عن حقوقهم في وطنهم التاريخي (الأرض) مقابل إنهاء الاضطهاد الإسرائيليّ والعنف الكولونياليّ ضدّ شعبهم (السلام).

ثمة شبه إجماع فلسطيني على أن اتفاق أوسلو أسس لأكبر انقسام في التاريخ الفلسطيني الحديث والمعاصر، حيث كان رفض الاتفاق واسعا وغير مسبوق في التاريخ الوطني الفلسطيني، فقد انضمت للرفض فصائل أساسية في منظمة التحرير كالجبهتين الشعبية والديموقراطية لتشكل مع حماس والجهاد الإسلامي والصاعقة والقيادة العامة وغيرها ما عرف بتحالف الفصائل العشر، كما رفضته شخصيات كبيرة ووازنة في حركة فتح، وحسب مسعد مأسست أوسلو نفسَها بوصفها لغة السلام التي تنزع الشرعيّة تعريفيّاً عن أية محاولة لمقاومتها بدعوى أنها دعم للحرب، وتنبذ كذلك جميع معارضي التنازل عن الحقوق الفلسطينيّة بوصفهم معارضين للسلام، فما سعت إليه عمليّة أوسلو، إذاً، كان قلب هدف السياسة الفلسطينيّة ذاتها، من هدف الاستقلال الوطنيّ عن الاستعمار والاحتلال الإسرائيليّ إلى هدفٍ يصبح الفلسطينيّون بموجبه عالةً في بقائهم السياسيّ والوطنيّ على إسرائيل وراعيها الأميركيّ، وذلك لفائدة سلام محتلّيهم وأمنهم.

يلخص أسامة يوسف حجج الرؤية الفلسطينية الرافضة لأوسلو أن الاتفاق لا بعكس آمال قطاع عريض من الشعب الفلسطيني على وتمنيات قيادة منظمة التحرير في تدشين مشروع الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمته القدس والتخلص من نير الاحتلال، وأن «إسرائيل» نجحت بامتياز في تطوير احتلالها المناطق الفلسطينية لتحوله إلى احتلال «ناعم»من دون أن تتحمل»إسرائيل»أي تكاليف وتحسن صورتها أمام العالم بعيداً عن المس بجوهر الاحتلال، فقد أفرز اتفاق أوسلو سلطة بصلاحيات بلدية وأجهزة أمنية متضخمة من دون أن تمارس هذه السلطة أي شكل من أشكال السيادة، وبدل أن يحمي رجل الأمن الفلسطيني أمن المواطن ويدافع عن الوطن من الاعتداءات الإسرائيلية، أصبح دوره ينحصر في حماية أمن المستوطنين ومحاربة المقاومة.

على الجانب الإسرائبلي طوال الأعوام الماضية، دأب القادة الإسرائيليّون على التأكيد أنّهم، وفقاً لصيغة الأرض مقابل السلام، يريدون ويسعون إلى تحقيق السلام مع الفلسطينيّين، لا إلى إقامة دولة فلسطينيّة، أو ضمان حقّ الفلسطينيّين في تقرير المصير. وبالفعل، ضاعفت إسرائيل عدد المستوطنات الإسرائيليّة وعدد المستوطنين الاستعماريّين اليهود في الضفة الغربيّة والقدس الشرقيّة ضعفين، مقتطعة بذلك المزيد من الأراضي التي كان يجب أن تكون جزءاً من المفاوضات. وواصلت إصرارها على انتزاع المزيد من التنازلات الفلسطينيّة لضمان»أمن» إسرائيل وعلى وجوب أن يمنحها الفلسطينيّون»السلام»بموجب صيغة»الأرض مقابل السلام»، ولم تَرقَ الاتفاقيّة الفعليّة إلى اعتراف متبادل، بل أفضت إلى الشّرْعَنَة النهائيّة للدولة اليهوديّة بالاعتراف بأنها تملك «الحقَّ» بأن تكون دولة أبارتايد عنصريّة.

إن الخلاصة الإسرائبلية الرافضة لاتفاق أوسلو تتمحور حسب الباحث الإسرائيلي أفرايم عنبار رئيس معهد القدس للأبحاث الاستراتيجية، والمؤسس السابق لمعهد بيغن-السادات للأبحاث الاستراتيجية التابع لجامعة بار-إيلان، بأن مرور 25 عاما على اتفاق أوسلو يؤكد أن هذه العملية»ثبت فشلها في إيجاد تعايش بين الشعبين، وإقامة سلام حقيقي بينهما»، لأن فرضية «الأراضي مقابل الأمن» التي قامت على أساسها اتفاقية أوسلو، وابتكرها رئيس الوزراء الأسبق إسحاق رابين لم تثبت جدواها، وحسب أفرايم إن»السلطة الفلسطينية التي قامت بموجب هذا الاتفاق تسيطر اليوم على الضفة الغربية، وتنشر الكراهية ضد اسرائيل من خلال المنظومات التعليمية والدراسية ووسائل الإعلام التي تديرها، وتشرف عليها».

يوضح وزير القضاء الإسرائيلي الأسبق، دانييل فريدمان، المعروف بمواقفه اليمينية، خلفية انهيار»مسار أوسلو»، بمقال بعنوان»كيف وصلنا لكارثة أوسلو»، نشره في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، حيث زعم فريدمان أن اتفاقيات أوسلو هي»وصفة لكارثة» لأنها أعادت الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، الذي يصفه بـ»زعيم الإرهاب»، إلى مقدمة الحلبة، وأشار فريدمان إلى أن إسرائيل قررت بشأن مبدأين في أعقاب حرب حزيران/يونيو 1967، و»كانا محل إجماع كافة التيارات في المجتمع الإسرائيلي: لا لدولة فلسطينية ولا للعودة إلى حدود ما قبل الحرب». وأوضح أن «المعارضة لدولة فلسطينية تكمن في الإدراك أن إقامتها ستقود إلى صراع على القدس، وتتطلب اعترافا بـ»حق العودة»، وربما العودة إلى حدود التقسيم»، واعتبر أنه «في هذه الظروف بقي حل معقول واحد فقط: اتفاق مع الأردن حول الضفة، ومع الأردن أو مصر حول قطاع غزة.

خلاصة القول أن أوسلو منتهية لدى كافة الأطراف عمليا، وكما بين جوزيف مسعد في كتابه»ديمومة المسألة الفلسطينية»، فإن مفهوم العملية السلمية وعملية السلام والأسس التي بنيت عليها وكيف حولت القيادة الفلسطينية من قيادة لشعب مضطهد، قيادة تحررية حولت فيما بعد إلى وكيلة عن الاحتلال في الضفة الغربية عبر عملية السلام وخاصة بعد اتفاقية أوسلو، فإن معادلة السلام المبنية على الأرض مقابل السلام هي معادلة عنصرية إلى حد بعيد ضد الفلسطينيين على المستوى البنيوي بمعنى أن إسرائيل تقول إن الأرض مقابل السلام يعني أن الإسرائيليين مستعدون على التخلي عن أراضيهم للفلسطينيين مقابل أن يتوقف الفلسطينيون عن العنف تجاه إسرائيل.

[email protected]

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }