الديمقراطية وسيلة حضارية للتعبير عن ممارسة الشعب لدوره لتحقيق أهدافه الوطنية المشروعة من خلال ممثليه الذين تفرزهم عملية الانتخاب، وصيغة شرعية للمشاركة في الحكم وصياغة القرار العام المتعلق بكيفية ادارة العملية السياسية والتنموية للمجتمع الهادفة لتحقيق العدالة الاجتماعية الأمر الذي يجعلها أقرب لتقاليد الحضارة الإسلامية العريقة المتوارثة التي تضمنت مفاهيم واضحة لحقوق الانسان لحمايته من الظلم والاغتراب والقهر والاستلاب والعوز والفاقة، كما انها منطلق وغاية الدستور المترتب على العقد الاجتماعي الجامع لحرية المواطنة كأسلوب أمثل للعمل السياسي المعاصر يتيح التعايش مع المعارضة اللازمة للحوار البيني العام، والنقد الموضوعي البناء الذي تناسب طرديا مع التطور الحضاري ليصبح فيما بعد ثقافة وطنية متوارثة تدعم النظام العام، وتوفر الارضية لمسيرة منظمة تؤتي ثمارها على المدى القريب والبعيد وتصب في مصلحة المجتمع وأمنه واستقراره.
والمجالس المنتخبة الممثل الشرعي والناطق الرسمي باسم المواطنين كافة، تقع على عاتقها مسؤولية المبادرة لتفعيل الحراك السياسي الشامل الذي يؤدي لصياغة منطلقات عملية قابلة للتحقق ضمن أطر زمنية محددة تضمن توصيات توجيهية للحكومات التنفيذية، ومناقشة التطورات والاوضاع المستجدة لتصبح منبرا عاما وناقلا اساسيا يعول عليه لعكس تطلعات الناخبين وتحقيق امنياتهم المشروعة والدفاع عن قضاياهم، والسعي للتخفيف من معاناتهم اليومية بالاضافة لمهامها التشريعية.
والمواطن العربي الذي يعيش حالة من الترقب والانتظار تهدر الوقت والجهد، وهاجس الاصلاح الذي طال أمده، بات في حيرة من أمرة تحت وطأة الظروف والقوى التي تسعى لإرغامه على التعايش مع الأمر الواقع ليصبح بالتالي الخاسر الوحيد من غياب الديمقراطية التي لو أمكن تطبيقها لجعلت منه مشروعا ايجابيا منتجا، وعضوا فاعلا في حركة نهضة مجتمعية دائمة لاعضوا مهمشا ضمن الاغلبية الصامتة.
ودول العالم الثالث أصبحت الديمقراطية فيها بمثابة الحاضر الغائب، فعلى الرغم من وجود بعض الممارسات الديمقراطية الا انها لاتضمن تطبيقا شافيا على ارض الواقع الامر الذي ينعكس سلبا على تطورها واستقرارها، ويفاقم مشكلاتها السياسية والاقتصادية ويعرضها لهزات اجتماعية كاملة وظاهرة ناتجة عن غياب النهج الديمقراطي الذي لاغنى عنه لقيادة السفينة الى بر الامان.
وديمقراطية الغرب التي انحرفت عن الجادة وتحولت الى اداة لترسيخ الطبقية، واحالت مواطنيها لقطع صغيرة في آلة مادية انتاجية صماء تستلب نزعاتهم الروحية والانسانية من خلال انتخابات صورية باهتة خاضعة لهيمنة رؤوس الاموال وضغوط الشركات واللوبيات والاحزاب المتطرفة لتفرز مجالس وحكومات تضمن مصالحها، واحتكار صناعة القرارات المهمة على حساب الاغلبية الساحقة المهمشة.
والتجربة الواقعية للديمقراطية الحقة التي تحتوي المبادئ الانسانية الكبرى كالعدل والخير والحرية التي تشكل الاساس المتين لدولة القانون والمؤسسات التابعة لها أسهمت في الخروج من المآزق التي تعاني منها الدول على مختلف المستويات الاقليمية والدولية، وتكبح جماح السير في الاتجاه الخاطئ، وتمنع تغول السلطات بعضها على بعض واستلاب حقوق الانسان الشرعية نتيجة للأخطاء النخبوية المتراكمة، كما أثبتت بأنها الطريق الوحيد المتاح الذي يعطي الانسانية الأمل في تحقيق فرص السلام والعدل الدوليين كبوصلة لازمة وطريق آمن للعمل السياسي الواعي.