كتاب

السناتور الأميركي جون ماكين بين موقفين

بالأمس نعت أميركا السناتور جون ماكين الذي توفي عن 82 عاما بسرطان في الدماغ، ورثاه معظم ساسة أميركا، كون الرجل سناتورا مرموقا كاد أن يكون رئيسا لأميركا في العقد الأول من هذا القرن، كما اهتم به الإعلام الأميركي، ومنحه تغطية إعلامية واسعة، وبكاه كثيرون في الولايات الأميركية، لأعماله البطولية وخدمته لأمته، إذ كان طيارا مقاتلا في الحرب الفيتنامية، أسقطت طائرته وقضى في الأسر خمس سنوات قاسية، وكاد يفقد حياته.. فالرجل في المقاييس الوطنية الأميركية يعد بطلا ذا فضل على وطنه، وعلى أبناء وطنه أن يكرموه في موته، كما ضحى بحياته من أجلهم.

هذا ما حدث في أميركا، أما خارج أميركا فأكثر بلد بكى عليه هي الدولة العبرية، لأنه الصديق الوفي القوي لإسرائيل، والداعم العظيم لها، وهو الذي أحبّ إسرائيل وآمن بحقها ووجودها، ودعم أمنها، وساندها بشراسة خلال عمله الطويل في الكونغرس، ماديا ومعنويا، وكان دائما الصوت القوي لإبقائها متفوقة على كل الدول العربية! إذن نستطيع أن نتفهم رثاء الأميركيين والإسرائيليين لرجل كماكين، أما ما لا نستطيع أن نفهمه أو نستوعبه، أن يقوم عدد من قادة وسياسيي وإعلاميي وحزبيي الدول العربية والإسلامية، بالبكاء على الرجل، وتدبيج أحرّ المراثي به، وتسطير قصائد رثاء بفضائله وأعماله الخالدة ! وهو الذي لم يدّخر نعتا سيئا إلا أسبغه على العرب والمسلمين، بل إنه كان لا ينفك عن دعوة حكومة بلاده، بعد أحداث سبتمبر 2001، إلى احتلال العالم العربي، وتدمير دوله، حتى من كانت صديقة لأميركا! وقد أخذ على عاتقه أن يقوم ببعض ما لم تقم به دولته، بتمويل ودعم من سموا ثوار الربيع العربي، وخاصة الجهاديين والتكفيريين، لذا كان يتنقل بين ليبيا وسورية والعراق ومصر وتونس، مباركا أعمال الإرهابيين الذين كانوا يقومون بتدمير مطارات بلادهم وقواعد صواريخها وطائراتها واسلحتها واستنزاف جيوشها، وتفكيك دولهم، وكان يفتخر بقيامه بتخريج دورات من ارهابيي جبهة النصرة، قاطعي الرؤوس وآكلي الأكباد، في شمال سورية، ومعانقته لهم، كما كان يوزع فيديوهات اجتماعه بقادتهم، ووضعه لهم خطط تدمير سورية والعراق، وإمدادهم بالمال والسلاح!

هذا هو ماكين، وهذه مواقفه، فهل يقبل من سياسي عربي، أو إعلامي، أو حزبي، أو مثقف، أن يصفه بالشجاع والجريء؟ أو يقول: يكفيه فخرا أنه وقف إلى جانب الثورة السورية؟ أو أنه كان منسجما مع نفسه في وقوفه مع (الإرهابيين )، ناسيا أو متناسيا مواقفه من قضية فلسطين، واحتقاره لكل ما هو عربي، وأعماله لتدمير الدول العربية، ودعمه اللامتناهي لإسرائيل؟

إنها أسئلة تبحث عن تحليل نفسي لهذه الظاهرة، ظاهرة تعظيم وتقديس عدوك ومحتقرك، حتى بعد وفاته!

qatamisamir@hotmail.com