يقع الإصلاح الاجتماعي في قلب عملية الإصلاح الضرورية للنهوض بالأردن، هذا المكون المهم في عملية الإصلاح الذي ظل غائباً لفترة طويلة عن كل منظومات الإصلاح المختلفة، حيث كان الإصلاح السياسي والإصلاح الاقتصادي يتسيدان أية عملية إصلاح، ولا يبدو أن بعض مفاصل الدولة أو القوى المدنية والأهلية قد أدركت حتى اللحظة أهمية هذا الإصلاح، أو أنها تدرك أهميته تماماً ولهذا السبب لا تريد حدوثه أو إثارة النقاش حوله.
حين نتكلم عن الإصلاح الاجتماعي فإن ذلك يعني أن نتبنى منظومة اجتماعية تقدمية في مختلف المجالات، تملك خطابها الواضح وأدواتها القادرة على تحقيقه وبعيداً عن الشعارات الرنانة، تستند هذه المنظومة إلى ركني المساواة على أساس المواطنة في الحقوق اللصيقة بالإنسان، والعدالة الاجتماعية لجسر الهوة والفجوات بين الطبقات المشكلة للنسيج الاجتماعي الأردني.
عندما أسمع أحداً يطلق على الإصلاح وصف معركة فإني أشعر انه يتحدث عن الإصلاح الاجتماعي، لأن هذا الوصف لا يكون وصفاً صادقاً تماماً إلا عندما يطلق على معركة الإصلاح الاجتماعي، هذه المعركة التي يتم تأجيلها مرة تلو الأخرى، أو يتم خوضها فردياً من قبل بعض (الحالمين) الذين لا يقوون على مجابهة الخصوم فيسحقون تحت ضرباتهم القاتلة، ليصيروا عبرة لكل من يحاول خوض معركة الإصلاح الاجتماعي، هذه المعركة التي لا بد من خوضها يوماً ما والانتصار بها حتى تصبح الإصلاحات الأخرى ذات معنى وقيمة وجدوى.
ما نشاهده اليوم من بيئات حاضنة ومتسامحة مع الفكر الإرهابي ليست نتاج حالة سياسية أو حالة اقتصادية، رغم أهمية العاملين السابقين، بل هي نتاج حالة اجتماعية ومنظومة فكرية اجتماعية، ففقراء أوروبا لم يفكروا التحول لعصابات إرهابية ولا فقراء شرق آسيا، ولا فقراء أميركا الجنوبية، لذا فإننا حين ننتصر بمعركة الإصلاح الاجتماعي نكون قد قطعنا أكثر من نصف الطريق، والأهم أننا نكون قد انتهينا من المنعطفات الخطرة والمسارات الوعرة، وما تبقى من طريق ستكون سالكة بسهولة، لأننا نكون قد جهزنا المجتمع بأدوات تقدمية وحضارية وصار قابلاً لتلقي الإصلاحات الأخرى عبر مُستقبلات مناسبة.
في الأردن نرى الكثيرين من مناصبهم الرسمية أو من مواقعهم المختلفة يتكلمون عن الإصلاح والتقدم والتطور ولكن في الأردن القليل من الإصلاحيين الحقيقيين القادرين على خوض المعارك من منطلق إيمانهم بالإصلاح نهجاً وفكراً، مضموناً ومنتجاً، وهو ما يعرقل مسيرة الإصلاح منذ ما يزيد عن عقد من الزمن، خوضنا معركة الإصلاح الاجتماعي بشكل صحيح سيكسبنا الحرب الإصلاحية، أما خوضنا معارك إصلاحية غير واضحة المعالم أو الغايات ستجعلنا نتقدم خطوة ونتراجع خطوتين، عبر حرب استنزاف طويلة المدى، وعلينا ألا نتوقع تحقيق أي انتصار حقيقي فيها.
على الدولة الأردنية أن تملك مشروعها الإصلاحي الاجتماعي وأن تعلنه بوضوح وتتمسك بتنفيذه، فمثل هذه المشروعات الكبرى تكون مشروع دولة، وليست قائمة على مبادرات فردية أو من قبل مجموعات متباعدة، والدولة تفقد توازنها إذا ما فقدت مشروعها، وقد يكون من المؤشرات الرئيسة لامتلاك الدولة لمشروعها وجود مجموعة من المنظرين الحقيقيين للدولة ومشروعها، وهؤلاء يمتلكون القدرة على قراءة الملامح الأساسية للمستقبل الاجتماعي السياسي الاقتصادي للدولة، وهم قادرون بالفعل على وضع واجتراح تصورات (كلية) للحلول في بعدها التأسيسي التنظيري للإشكاليات التي تواجه الدولة، والتي يمكن وقوعها، بحيث تتوافق الحلول مع مشروع الدولة، بل وتقوم بتعزيزه وتأكيد صوابيته، إلى جانب أنها تجد الحلول العضوية للإشكالية لضمان عدم تكرارها لذات الأسباب في المستقبل القريب. كما يجب أن تمتلك الدولة (صاحبة المشروع) مجموعة من السياسيين القادرين على قراءة الحاضر بمستوياته المتعددة على أساس حرية التفكير، ووجود حلقات العصف الذهني القادرة على خلق سيناريوهات متعددة وإيجاد كيفيات التعامل معها، بما يخدم مشروع الدولة ومقولاتها الرئيسية. غياب (مشروع الدولة) في الإصلاح الاجتماعي مقلق، خصوصاً وأن صاحب القرار يدرك أهمية المضي بالإصلاح الاجتماعي وضرورة الاستعجال بالبدء به، ولكن يبدو أن الاستجابة البطيئة في بعض مفاصل الدولة وانعدامها في مفاصل أخرى توجب إحداث تغييرات ضرورية وحيوية لتكون الاستجابة لمتطلبات الإصلاح الاجتماعي بمقدار الإرادة لدى صاحب القرار والحاجة الملحة له في هذه اللحظة التاريخية.