جاءت الندوة العلمية «دولة النهضة العربية»، التي بادر إلى عقدها منتدى الفكر العربي بعمّان يوم الأحد 2/9/2018 بمناسبة المئوية الأولى للحكومة العربية الفيصلية والمملكة السورية (1918- 2018)، لتؤكد أن ميراث الفكر النهضوي العربي ما يزال ميراثاً ثرياً على صعيدي الرؤى والخبرات التطبيقية، وأن قراءة التاريخ العربي الحديث ينبغي أن تكون متصلة بقراءة التاريخ القديم للعرب والأمم التي اشتركوا معها على مدى العصور في البناء والتواصل الحضاري ضمن الإقليم. هذا من ناحية، أما الناحية الأخرى فلا بد من قراءة المستقبل في ضوء النظرة إلى «النهضة» على أنها عملية مستمرة نحو الأفضل دوماً، كما بيَّن ذلك سمو الأمير الحسن بن طلال الذي تفضل برعاية الندوة والمشاركة بالكلمة الرئيسية وفي المناقشات.
ولا شك أن النظرة الشاملة والمتوازنة الممتدة بين الماضي والحاضر والمستقبل هي النظرة التي تتطلبها روح الموضوعية إذا وعينا تماماً أبعاد الخطاب العربي نحو العالم، وتَمثَّلنا القيم النهضوية التي خاطب بها المغفور له الملك فيصل بن الحسين – رحمه الله – المجتمع الدولي، ولا سيما خلال رحلاته إلى عواصم القرار في ذلك الزمان؛ باريس ولندن، وكفاحه وصحبه من رجالات الحركة العربية ومفكريها ومثقفيها لإيجاد مكان للصوت العربي تحت سماء هذا العالم يخدم القضايا العربية، ويدافع عنها، ويبين الحقائق التي يستند إليها العرب في مسؤوليتهم تجاه أنفسهم وتجاه الجغرافيا والمضمون الإنساني لوجودهم وكيانهم وروابطهم بجيرانهم أصحاب الحضارات والمدنيات والثقافات المتأصلة في المنطقة.
وربما رأى البعض تشابهاً في بعض الجوانب بين الظروف الإقليمية والدولية التي أحاطت بقيام الحكومة العربية في دمشق قبل مئة عام، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، ومن ثم إعلان المملكة السورية في بلاد الشام سنة 1920، وتداعيات سايكس – بيكو ووعد بلفور حينذاك؛ وانعكاسات ما يجري في العالم حالياً من إعادة رسم خرائط المنطقة والحديث عن صفقة القرن وما إلى ذلك. لكن لا بد أن لا ننسى وسط هذا الضجيج السياسي أن التاريخ لا يعيد نفسه، وإنما يعطي العبرة ويعلم أعظم الدروس في قوة الإرادة وحُسن استخدامها. فحري بنا اليوم ونحن نستمع إلى سمو الأمير الحسن بن طلال في إشارته البصيرة إلى أن التاريخ ليس مجرد سردٍ للماضي، وإنما هو حافز للخيال المبدع، وامتلاك القدرة على التفكّر والتبصّر في شؤوننا وأحوالنا، وإبقاء شعلة الفكر متّقدة، والعزائم ساعية إلى تحقيق الآمال، والضمير الجمعيّ حيّاً تجاه مَن سلمونا الأمانة وتجاه الأجيال القادمة الذين سيتسلمونها منّا ويكملون المسيرة.
إن الاحتفاء بذكرى أول دولة عربية مستقلّة وحدوية في العصر الحديث، استوعبت في تجربتها خلاصة فكر النهضة وحملت رسالته كما عبَّرت عنها هذه الدولة بوصفها ثمرة للثورة العربية الكبرى بقيادة الهاشميين الأبرار، هي مناسبة عزيزة في وجدان كل عربي، كما أنها وقفة من أجل الدعوة لاستعادة قيم النهضة، التي جعلت من هذه الدولة في بلاد الشام، رغم قِصر فترتها (1918-1920)، صورة واقعية على قابلية تحقيق الوحدة وتعظيم المشتركات والارتقاء والتقدم في مدارج الحضارة.
لقد كانت الدولة العربية الفيصلية في سورية الطبيعية، نموذجاً يُعتدُّ به في التاريخ العربي، من حيث إنشاء دولة مدنية عصرية شارك في تأسيسها نخبة عربية من العلماء والمفكرين والقانونيين والاقتصاديين ورجال الإدارة والعسكرية، وتنتهج نهج الديمقراطية والمساواة، والحرية والانفتاح، والمشاركة الشعبية من خلال المؤسسة البرلمانية والأحزاب والصحافة، وعلى أسس احترام التعددية السياسية والحفاظ على حقوق المواطنين ومكوّنات المجتمع كافة، وتعزيز التنوع الثقافي وقبول الآخر. فضلاً عن عدالة توزيع الثروات الوطنية، وإقامة مرافق الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية على مبدأ النزاهة والشفافية، والاهتمام بالثقافة والعلم والمعارف كروافع لبناء الوطن والدولة.
وكل ذلك حاولنا في هذه الندوة العلمية المتخصصة أن نشمله في محاورها وأبحاثها التي أعدها مجموعة من المتخصصين، انطلاقاً من المرجعية الفكرية والثقافية للنهضة العربية، ودور النخب المثقفة في بناء الحكومة العربية، والفكر السياسي للملك فيصل وأثره في بناء الدولة، ثم التنظيمات الإدارية والاقتصادية التي أبرزت إبداع العقل العربي إذا أعطي الفرصة المناسبة والحافز لينتج ويُنجِز، وكذلك التجربة السياسية والفكرية للجمعيات العربية النهضوية في هذا المضمار، والتجربة البرلمانية والتعددية السياسية وموقف الحكومة العربية من التعددية والتنوع الثقافي في بلاد الشام، والتعامل معه على أنه مصدر إثراء وقوة، وحركة التعريب التي شهدتها بلاد الشام وأثرها على نهضة الفكر والثقافة والتعليم، والعلاقات الخارجية والدور الدبلوماسي للملك فيصل كممثل للعرب وخاصة في مؤتمر فرساي للسلام في باريس سنة 1919، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وبدء المفاوضات بين القوى العظمى للترتيبات الجديدة بينها.
إن منتدى الفكر العربي، وهو يتقدم مؤسسات الفكر والثقافة العربية في إحياء ذكرى المئوية الأولى لدولة النهضة العربية - كما سميناها استلهاماً للمعاني الشريفة التي تجسدها – وفي إطار مشروعه الكبير «النهضة الفكرية العربية»، أراد مرةً أخرى أن يؤكد أن المرحلة التاريخية التي يمر بها الوطن العربي تحتاج إلى جهود أبناء الأمّة ومثقفيها وتعاضدهم في وعي القضايا المشتركة والربط بين الأصالة والمعاصرة، خدمةً للهدف الأسمى في تقدّم الأمّة وكرامة الإنسان العربي واستقرار شعوبها ودولها ووحدة مجتمعاتها، والله الموفق.
قيم النهضة العربية وبناء الدولة
11:00 8-9-2018
آخر تعديل :
السبت