كتاب

قدسية الاوطان

يعتبر الولاء للوطن من اشرف المبادئ الإنسانية والأخلاقية لأن به تنهض الدول وعليه تتحطم المؤامرات وعاديات الزمن، كما انه مبدأ شريف يعتبر من ارقى مظاهر المواطنة الصالحة ونابعا من إيمان الفرد بربه وعقيدته.

فحب الوطن والولاء له ليس منهجا دراسيا يتعلمه الفرد في المدرسة او الجامعة، وليس عادة يكتسبها او يتعلمها من المجتمع الذي يعيش فيه، فتتزايد او تتناقص تبعا للهوى والمصلحة الشخصية، كما انه لا يأتي فجأة فهو غريزة فطرية يرضعها الطفل حليبا نقيا صافيا من ثدي امه.

فحين يتجسد هذا الولاء في الأقوال والأفعال فإن الوطن يصل لمرحلة القدسية وبالتالي يصعب على الاعداء المس به او اختراقه لإثارة الفتن، فنبذ التبعية الحزبية للخارج هو أحد منطلقات الإيمان بالوطن«رحما»يصل الله من وصله ويقطع من قطعه.

فالولاء للوطن لا يتم بالشعارات التي تتردد بالاحتفالات والمناسبات بل هو نهج عقائدي ايماني يلتقي حوله كل أتباع الديانات السماوية.

فمسؤوليتنا اليوم إزاء الوطن في ظل ما يحيط بنا من أحداث وأزمات كبيرة ان نبقى حريصين على هذا الانتماء اكثر من خوفنا على ارواحنا ومصالحنا الشخصية المادية منها والمعنوية، فالوطن ليس مكتسبات ترتفع وتنخفض وفقا لما يحصل عليه الفرد سلبا او ايجابا.

قولائنا للاردن الحبيب يجب ان يتجاوز مراحل الشعارات والمقالات وابيات الشعر او الاغاني الحماسية التي نسمعها في كل المناسبات، لأن الاحساس الحقيقي بالوطن هو الاحساس الطاغي على كل أعمال الفرد اليومية، وهو ما نتمناه للاردنيين الذين لطالما ضربوا أروع الأمثلة في عشقهم لتراب وطنهم فحافظوا عليه، وتحطمت بذلك كل المؤامرات على صخورهم الوطنية القاسية.

فأي اردني لا تربطه علاقة حقيقية متأصلة الجذور تجاه الأردن لايمكن في اي حال من الاحوال ان يخلص له او يدافع عنه او يحميه وقت الغارة.

فالاردن كغيره من الدول تعرض لأزمات وهزات حقيقية خانقة، ولكنه ثبت بوجهها بفضل حكمة قيادته في تجنيب الشعب تبعات الأنهار الدموية، وبفضل وعي والتفاف الشعب بالازمات حول وطنهم وقائدهم حتى بات الأردني مضرب مثل في الانتماء والولاء بعد أن تحطمت على وعيه كل محاولات زرع الفتنة الطائفية بين افراد الشعب، فلم يضيرنا في الاردن او يحطم معنوياتنا انضمام نفر من بني جلدتنا من ضعاف النفوس والمحسوبين على هذا الشعب الصابر ظلما إلى النبتة الشيطانية الارهابية للمتطرفين الذين يعانون من فجوة كبيرة لفهمهم للدين فخدشوا الوحدة الوطنية والمحبة الكبيرة بين الاردنيين ولكنهم لم يستطيعوا النيل منهم، فلنحذر أولئك الذين يستبدلون مظلة الوطن بمظلات وهمية استغلت الدين في غير مكانه لإثارة الفتنة في ربوع بلدنا الحبيب.

وهنا لا بد من الإشارة إلى ان الولاء للدين او المذهب لا يمكن ان يتعارض مع الولاء للوطن مهما غير او حرف الإرهابيون المعاني والمصطلحات والأفكار، فالاردنيون رضعوا مع حليب امهاتهم مبدأ أخلاقيا وساميا لا زالوا وسيبقون متمسكين به» الله الوطن المليك».

فعلى كاهل الآباء والأمهات والمعلمين والمعلمات وشيوخ الدين وخطباء المنابر تقع المسؤولية الكبرى في هذه الظروف الحرجة التي يمر بها الاردن في تنمية الوعي الوطني ومحاربة الافكار الظلامية والممارسات المنحرفة القادمة من خارج حدود بلادنا، وضرورة ترسيخ مفاهيم الوطنية الايجابية والتآلف والتأخي بين افراد هذا الشعب وايصال رسالة الى الذين يزاودون على الوطن وشعبه ويتاجرون بدماء ابنائنا بأنهم يدافعون عن قضية خاسرة لن يحصلوا منها في النهاية الا على خيبة ألامل والعار الذي سيبقى يطاردهم حتى في احلامهم.

فالاردن كان وسيبقى للجميع دون تمييز، يعيش معنا في حلنا وترحالنا نحافظ عليه وعلى سمعته برسم صورة جميلة للعالم عنه تعكس الصورة التي يحاول البعض تشويهها او رسمها عنا وعنه، ليبقى عظيما يحتضن ابناءه المخلصين الطيبين بحنان الأم لطفلها الرضيع وسيبقى شعبنا الأبي صامدا متكاتفا في وجه عاديات الزمن، وشامخا يستحق منا كل شيء انطلاقا من فكرة الوطن المقدس.