بدأت تطفو على السطح في معظم البلاد العربية وغيرالعربية، ظاهرة ألقاب الدكتوراة المزيفة، أو شراء الألقاب والشهادات.. ومع أن هذه الظاهرة قديمة وتعود إلى عقود سابقة، تورّطت فيها دول متقدمة ومتخلفة، فقد بدأ الكثير من الدول العربية أخيرا مواجهة هذه الظاهرة ومحاولة الحدّ منها، إثر تكشف ضعف حملة هذه الألقاب الذي انعكس على الطلبة في الحقل التعليمي، أو على الإدارة في القطاع الحكومي..
لقد شاهدت بالصدفة منذ أيام، برنامجا تلفزيونيا من إحدى دول الخليج، مخصصا لمعالجة هذه الظاهرة التي انتشرت في ذلك البلد انتشارا واسعا، ولفت نظري في كلام المسؤول الذي استضافه التلفزيون للحديث عن تلك الظاهرة، قوله: إننا اكتشفنا أن كثيرا من شهادات الدكتوراة التي يحملها أبناؤنا مزيفة، وأن هناك مكاتب ومؤسسات في بعض الدول العربية والأجنبية، متخصصة بتجارة الشهادات بمبالغ متفاوتة، وأننا الآن في صدد ضبط هذا الأمر من خلال تحديد الجامعات المعترف بها أو الموثوقة.. وفي إطار ردّه على سؤال المذيع حول الفئة المستهدفة، قال: نحن معنيون بمن يعملون في الجامعات والأجهزة الحكومية، لما يترتب على هذه الشهادات من فوائد مالية، أما الآخرون أصحاب الأعمال الحرة، فلا شأن لنا بهم، ولهم أن يشتروا تلك الألقاب وينعموا بها طالما أن لا علاقة لها بالإدارة الحكومية أو الميدان التعليمي أو أموال الدولة..
تزامن هذا الحوار مع تسجيلين صوتيين وصلا إلي، أحدهما بين شاب سعودي ودكتورة من مصر، يقول لها ذلك الشاب إنه أخذ رقم تليفونها من صديق له تعامل معها، فبشّت له وأبدت استعدادها لمساعدته في كل ما يرغب، وسألته عن أي نوع من الشهادات يريد، وأخبرته أن مكتبها جاهز لاختيار الموضوع، ووضع خطة البحث، وتقديمها نيابة عنه، ثم تأتيه الشهادة باسمه في بلده، مقابل خمسة آلاف دولار!! أما التسجيل الآخر فمن لبنان، وهو يدور حول الموضوع ذاته، وأنهم جاهزون لتزويده بشهادة دكتوراة على الفور، مختومة رسميا ومصدقة، مقابل بضعة آلاف من الدولارات..
ما سمعته في التلفزيون أو من هذين التسجيلين، وهو غيض من فيض، يفسر لي سعة انتشار لقب (دكتور ) في بلدي، وكثرة حملة الدكتوراة في أوساط الموظفين ورجال الأعمال والتجار والمقاولين... وفي أوساط أناس لم يدخلوا في حياتهم حرم جامعة، ولم يغادروا الأردن، بل لا يعرفون أين يقع البلد الذي يحملون شهادة منه، ولا يمتلكون الحد الأدنى من القدرة أو الاستعداد.. لقد غدا الموضوع كالآتي: ادفع تحصل على لقب دكتور، و ما عليك إلا أن تذهب إلى مطبعة لطباعة بطاقات باسمك مسبوقا بلقب دكتور، لتوزيعها على الناس !! وإذا أردنا الحقيقة لا بد من القول إن بعض جامعاتنا الخاصة قد دخلت اللعبة، وأن بعض الأساتذة قد تورطوا بصفقات دنيئة مع بعض الطلاب والطالبات، من أجل حفنة دراهم، مما يوجب البحث عن وسائل رادعة، أو إرساء منظومة أخلاقية أدبية، لاستئصال هذا الداء الذي بدأ ينتشر على نطاق واسع في أوساط الطلبة.