ارتبطت القدس في الفكر الهاشمي برباط متين يرتكز على العديد من الدعائم الدينية والتاريخية والقومية، إضافة إلى اليقين الهاشمي الأصيل بأن وحدة الأمة العربية وقوتها يكون في مدى حرصها في الدفاع عن قضيتها المركزية وهي قضية فلسطين وجوهرها القدس، باعتبارها مفتاح الحل السياسي للمشاكل والمعاناة التي تعيشها المنطقة في الوقت الراهن، والملاحظ أن جميع الوثائق التاريخية تؤكد أن فكرة المشروع العربي الوحدوي وإقامة الدولة العربية هي جوهر المشروع والمبادئ النهضوية التي نادى بها بنو هاشم منذ فترة مبكرة.
ويعد الملك فيصل الأول ابن الحسين من أوائل الهاشميين الذين تخرجوا من مدرسة الشريف الحسين بن علي زعيم العرب ورائد نهضتهم الحديثة، وبدت ملامح الفكر القومي عنده منذ توليه قيادة الجيش الشمالي للثورة العربية الكبرى التي انطلقت في 10 حزيران 1916، أعقبها مشاركته الفعّالة في الجمعية العربية الفتاة التي تأسست في باريس عام 1919، والتي حرص من خلالها على وحدة البلاد العربية بما فيها فلسطين، وتجدر الإشارة بأن الملك فيصل الأول يعتبر أول زعيم عربي يعرض القضية العربية ومن ضمنها قضية فلسطين في اجتماع دولي عالمي وهو مؤتمر باريس أو مؤتمر السلم عام 1919 أي جعلها عالمية تخضع لرقابة الرأي العام العالمي، وقد جاء موقف الملك فيصل الثابت والمعلن من القضية الفلسطينية بالرغم من وقوعه تحت ضغوطات عدة أبرزها الضغط الفرنسي الرافض لفكرة أنشاء حكومة عربية فيصلية في سوريا، والضغط البريطاني بوصفها الممول المالي الرئيس لحكومة الملك فيصل والتي تحاول استغلال دورها هذا في إنجاح سياستها الداعمة للمخططات الصهيونية في فلسطين، إلا أن الحنكة والدبلوماسية الرفيعة التي يتقن أسرارها الملك فيصل جعلت منه زعيما قومياً يدافع عن قضاياها بشكل كبير ومؤثر، حيث قال في خطابه الذي ألقاه أمام الحضور في مؤتمر باريس: «ان العرب عاشوا على مدى أربعة قرون تحت اضطهاد عسكري ثقيل (جمعية الاتحاد والترقي)، وما دامت الحياة تجري في عروقهم، فإنهم يرفضون العودة إلى ما كانوا عليه سابقاً»، وهو أمر يظهر تصميمه إخراج العرب من واقعهم المتردي إلى حال آخر أكثر تفاؤلاً.
وفي المؤتمر السوري العام في دمشق عام 1919 أيضاً جاء التأكيد في بيانه الختامي والذي عرف تاريخياً باسم (برنامج دمشق) بالاستقلال الفوري التام لسوريا دون حماية أو وصاية في ظل مبايعة حكومة مدنية ملكية نيابية تمّ إقرارها عام 1920 بالمناداة بالملك فيصل الأول ابن الحسين ملكاً على سوريا، وبخصوص القضية الفلسطينية فقد جاء في البند السابع من بيان المؤتمر رفض الفلسطينيون مطالب الحركة الصهيونية جعل فلسطين وطناً قومياً لليهود، وفي البند العاشر استند الفلسطينيون على قواعد الرئيس الأميركي ولسون (مبادئ ولسون (14) للسلم العالمي) والتي تقضي بإلغاء المعاهدات السرية مثل اتفاقية سايكس – بيكو ووعد بلفور، ولقي بيان المؤتمر تأييداً عربياً في كافة المناطق العربية بما فيها فلسطين حيث خرجت على أثرها المسيرات في القدس وعامة مدن فلسطين ورفعت فيها صورة الملك فيصل الأول وتأكيده ملكاً على سوريا وفلسطين، ولقد شارك المسلمون والمسيحيون في هذه المسيرات والانتفاضات التي أطلق عليها في 4 نيسان 1920 اسم (انتفاضة القدس).
وقد استمر تأكيد الملك فيصل الأول ابن الحسين أن الخروج من الأزمة يكون بوفاء الحلفاء بوعودهم للشريف الحسين بن علي وفق ما يعرف بمراسلات الحسين مكماهون التي جرت ما بين عامي 1915-1916، فقد جاء في مذكراته وتحديداً في رسالته إلى رئيس الوزراء البريطاني المستر لويد جورج في تاريخ 13 أيلول 1920: «إذا نفذت العهود المقطوعة للعرب بواسطة الملك حسين فأنا على ثقة بأن كل شيء سيحل على أهون سبيل، إن أملي العظيم كما هو أمل كل عربي أن تنفذ هذه العهود بسرعة لأن تنفيذها يؤمن مستقبل أبناء جنسي ويبرهن على شرف وصداقة بريطانيا العظمى» ومن بين هذه الوعود كما هو معروف عدم التنازل عن أي جزء من فلسطين، ويأتي هذا التصور كحل للقضية العربية التي كان الملك فيصل ممثلاً عن والده الشريف الحسين بن علي في مناقشتها، ففي رسالته لرئيس الوزراء البريطاني المستر لويد جورج يقول: «أريد أن أضيف إلى ذلك أن والدي ملك الحجاز عهد إلي مرة أخرى بمهمة تمثيله في مباحثات القضية العربية بصفة عامة»، لذلك فإن قراءة وتحليل الملك فيصل لملف القضية العربية يعتبر امتداداً لفكر الشريف الحسين بن علي بما في ذلك السير على أهداف ومبادئ الثورة العربية الكبرى.
وعلى الرغم من إنهاء الحكم الفيصلي في سوريا 25 تموز 1920، وذلك باحتلال الجيش الفرنسي دمشق، وانتقال الملك فيصل إلى العراق لاحقاً وجلوسه ملكاً على عرشها في 23 آب 1921، إلا أن القضية الفلسطينية والقدس بقيت من أبرز اهتماماته وأهدافه، فقد أكد الملك فيصل دور الرجالات والمناضلين ممن قاتل معه في معارك فلسطين في الوقوف إلى جانبه في معركة ميسلون، يقول في مذكراته:»وقد كان بين هؤلاء الذين استشهدوا في ميسلون بعض رفاقي في معارك فلسطين واني لأحني رأسي احتراماً لهؤلاء الذين ضحوا بحياتهم في سبيل الاحتجاج على اعتداء لم يعرف له التاريخ مثيلاً»، وتأتي مشاركة أهلنا في جيش ميسلون من منطلق إدراكهم بأن قوة الملك فيصل جزء من قوة الدفاع عن قضية فلسطين والقدس، كما تظهر مدى قوة الأمة في اجتماعها رغم تعدد أطيافها ونسيجها وهذا التنوع كما يؤكد صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال سواء في الأمة أم في المجتمع هو في حقيقته عنصر قوة يتجسد في تكاتف جهود الجميع ليكونوا أعمدة قوية تدعم بناء حضارتنا، وتظهر الوثائق عبر العديد من البرقيات والرسائل التي بعثتها الحكومة العراقية أيام حكم الملك فيصل الأول ابن الحسين لساسة العالم رفضها لوعد بلفور ومن ذلك برقية مجلس الأعيان العراقي سنة 1929 إلى رئيس الوزراء البريطاني بهذا الخصوص، جاء فيها: «قرر مجلس الأعيان العراقي في جلسته المنعقدة في 2 تشرين الثاني 1929 الاحتجاج على ما هو جار في فلسطين ضد العرب، وتوجيه اهتمام فخامتكم إلى ضرورة إلغاء وعد بلفور الذي يرمي إلى امحاء أمة في وطنها، وهذا لا يتلاءم مع مبادئ العدل الإنسانية».
تشير الوقائع التاريخية إلى ثبات الموقف الهاشمي تجاه قضية فلسطين والقدس وسعيها عبر مختلف القنوات الدبلوماسية وضمن جميع المعاهدات والمؤتمرات التي تشارك فيها تحقيق كل ما يمكن لصيانة الحق العربي فيها، وما تزال القيادة الهاشمية ممثلة بالملك عبد الله الثاني ابن الحسين تجسد الفكر الهاشمي في الحفاظ على هوية فلسطين والقدس العربية (الإسلامية والمسيحية)، وتبذل في ذلك الكثير من الجهود بما في ذلك الوصاية والاعمار الهاشمي للمقدسات والدفاع عنها في المحافل الإقليمية والدولية كافة.
أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس
الملك فيصل الأول ابن الحسين والقضية الفلسطينية وجوهرها القدس
11:00 2-9-2018
آخر تعديل :
الأحد