الثقافة هي سعة الاطلاع والمعرفة الشاملة التي تعبر عن روح العصر من خلال الوعي الانساني ونظرته للاشياء والناس مستمدة من المحصول الفكري الحضاري للمجتمع تجعله اقرب للحقيقة والواقع، وتبعث على الطمأنينة والاستقرار اثر حالة بدائية تتسم بالشك والحيرة وعدم اليقين، أو فهم خاطئ لتوجهات لا عقلانية لتعصب عرقي اعمى واطماع بشرية لا مشروعة، أو تضليل ايدولوجي متطرف يفرق بين بني البشر الذين هم في الاصل من طينة أولية مشتركة وكليّة واحدة.
والثقافة الجيدة لا بد أن تقود الى محاكمة نقدية بناءة، وتصنع حالة ابداع تواكب العمل وتحدد الهدف لتخلصه من الوهم والضلال، وتصنع بوصلة اتجاه للسلوك البشري السوي كي تكون صمام امان يحمي من التشتت والفوضى، ويمكن من الوصول الى نظرة استراتيجية عامة على ايقاع الماضي والحاضر والمستقبل والسنن الكونية المتحكمة في مسيرة الحياة.
والانفتاح الثقافي بين الشعوب والأمم يساهم في تحسين العلاقات، وبناء جسور التعاون والصداقة من خلال الفهم المشترك فيما بينها ليصبح بالتالي وسيلة للتعايش بين الشعوب والافراد بما يدعم السلم والعدل الدوليين، والازدهار والرفاه الاقتصادي والعالمي، كما أن الثقافة المشتركة بين ابناء الامة الواحدة والدين الواحد تفعل الروابط وتذكي المشاعر، وتبلور الاهداف النبيلة التي تقوي مفهوم الوحدة والمصير المشترك، والفهم الاستراتيجي الموحد لمواجهة التحديات، والوصول لكلمة سواء الأمر الذي يحيل الامة لحالة من المنعة والقوة عصية على الاختراق من قبل أي ثقافة عدوانية هجينة تتطلع لسلخها من جلدها ومضمونها التراثي العريق، ومشروعها الحضاري الرائد بما له من خصوصية ثقافية تلعب دورا مركزيا في نهضتها واستقلالها على عكس الثقافة السلبية المقيدة التي تقود لرؤية منغلقة من خلال الضخ الاعلامي الجائر، والاسلوب التعليمي القاصر عن ايجاد حالة ثقافية سائدة تصبح نمطا حياتيا ملازما للنخب التي تملك صلاحية اتخاذ القرارات المصيرية التي تتعلق بحياة الاجيال والاوطان.
وصناعة القرار السياسي احوج ما تكون لرفد ثقافي واقعي، ومدد استشاري نابع من الحوار البيني الدائم، ومعايشة حيوية لسياق الاحداث ماضيها وحاضرها ومستقبلها كمقدمة لا غنى عنها، وقاعدة اساسية يرتكز عليها، وبوصلة يقتدي بها خلال مساره المتشعب لينأى بنفسه عن حالة افتراضية تضعه خارج السياق تنيجة للفهم الخاطئ لطبيعة العمل السياسي الذي هو اساسا صناعة السلام واحتواء المنازعات، والتمييز بين الحرب الدفاعية المشروعة والحرب العدوانية الظالمة الأمر الذي يحتاجه عالم اليوم بقوة من خلال اداء اللاعبين الدوليين وصانعي القرار العالمي بالابتعاد عن الرؤية الاحادية الجانب، والنظرة الفردية المطلقة المتعلقة بوهم البطولة الزائفة والتعصب المقيت، واعادة فك الارتباط الذي حصل بين البعد الثقافي والاخلاقي وبين الاداء السياسي المشروع حتى لا يصبح العالم بأسره مسرحا دائما للبؤر المشتعلة التي لا يمكن اطفأوها على المدى المنظور، ومكانا يصعب العيش فيه على اعتاب حقبة مظلمة مؤسفة اذا لم يتدارك عقلاء العالم هذا التوجه اللامسؤول.