المؤشرات التي تظهر باستطلاعات الرأي الصادرة عن مراكز دراسات مختلفة في الأردن تظهر أن الهم الاقتصادي يحتل المراتب الأولى لدى الأردنيين وبنسبة تفوق بكثير أية موضوعات أخرى، وفي ذات الوقت أظهر استطلاع أجراه مركز نما للحلول الاستراتيجية أن الأردنيين يشعرون بانتشار الفساد وتغلغله في طبقات السياسيين ورجال الأعمال والبلديات على الترتيب، بنسب تجاوزت الخمسين بالمئة، وأظهرت استطلاعات أخرى أن الأردنيين يفقدون الثقة بمؤسسات منتخبة كمجلس النواب.
فما الذي يريده الأردني وكيف يرى الأردن؟
ما يجب قراءته بوضوح من الاستطلاعات المختلفة هو خوف الأردنيين من الجوع، وتحديداً على مستوى العامة، وابتعاد الأردنيين عن القضايا الاستراتيجية السياسية والاجتماعية، حيث احتلت لقمة العيش الاهتمام الأكبر لدى أفراد العينة الوطنية في حين أن قضايا الإصلاح السياسي لا تشغل بال المواطن الأردني.
وما تظهره الاستطلاعات من عدم اهتمام المواطن بالقضايا السياسية والإصلاح السياسي لا يعني بالتأكيد عدم أهمية الإصلاح السياسي ولكنه يشير إلى ضرورة ربط هذا الإصلاح بانعكاسه على مستوى معيشة المواطن، ومن هنا فإن الحديث المطول عن إصلاح سياسي وضرورة ظهور نخب سياسية جديدة، وتعزيز دور الأحزاب في العملية السياسية سيبقى حواراً ساخناً بين النخبة دون أن يلقى أذناً صاغية أو تفاعلاً مأمولاً بين الفئات العامة من الأردنيين، خصوصاً وأن الأردنيين لا يثقون بالطبقة السياسية بسبب اعتقادهم السائد أنها طبقة فاسدة.
وقد يكون هذا الفارق في الأولويات بين العامة والنخبة هو الحاجز الحقيقي الذي يمنع عدداً من الأحزاب أو السياسيين أو حتى الحركات الشبابية من تجميع الناس حولها في حراكها خلال الفترة الماضية، وهو ما يوجب عليهم إعادة قراءة المشهد الأردني، ووضع تصورات استراتيجية مختلفة عن تلك التي يتبنونها اليوم ليكون لحراكهم أثره الحقيقي على الشارع.
المقلق أن الأردني يقلق على لقمة عيشه بسبب سياسات حكومية متواترة تشعره أن اللجوء إلى جيبه هو الحل الأسهل لمشكلات الدولة المالية والاقتصادية، بالإضافة إلى ارتفاع كلف الحياة الأساسية وعدم الشعور بالأمان الاقتصادي بسبب عدم وضوح الرؤية الاقتصادية لدى الحكومات المتعاقبة، كل ذلك خلق حالة من الشك والقلق الاقتصادي لدى الأردني.
يُضاف إلى ذلك حالة فقدان الثقة بمؤسسات الدولة وبالخطاب الرسمي في مختلف المجالات، بالإضافة إلى شعوره العام بانتشار حالة الفساد، من خلال ما ينتشر إعلامياً حول بعض الحالات، وإن لم تكن جميعها صحيحة، وعدم شعور الأردنيين بوجود حملة حقيقية ضد الفساد والفاسدين، فرغم إدراك الأردنيين أن الفساد الكبير يقف خلفه شخصيات ذات أوزان سياسية واقتصادية ثقيلة لتدعمه وتحميه وتستفيد منه، إلا أننا حتى اللحظة لم نسمع عن أية شخصية من الوزن الثقيل تعرضت لمساءلة أو محاكمة.
على الدولة أن تعمل بسرعة لاستعادة صورتها الجيدة قبل انتشار الفساد، حين كان المواطن الفاسد يخشى من عرض رشوة على الموظف العام لاعتقاده بنزاهة هذا الموظف، لأن الدولة النزيهة التي لا ينتشر فيها الفساد لأدنى مستوياتها هي الدولة القادرة على إقناع مواطنيها بالكثير من خططها وخطابها.
أما الشعور بانتشار الفساد وعدم الجدية بمحاربته، بالتزامن مع زيادة صعوبة تدبير الحياة اليومية للمواطن، سيحول المواطن إلى مسنن في آلة الفساد الضخمة، يرفض الفساد على المستوى النظري ويمارسه عملياً، لأنه يخشى على مستقبله ويخشى الجوع، فيبحث كل منا عن خلاصه الفردي عبر أقصر الطرق، وهي الفساد.
للتذكير أن ملف مصنع الدخان ما زال مفتوحاً، نرجو ألا يتم إلصاق التهم بموظفين صغار تلقوا أوامرهم ممن يملكون القوة والصلاحية، لينفذ من المحاكمة أصحاب الأوان الثقيلة، فما زلنا ننتظر الأسماء الكبيرة التي وعدتنا بها الحكومة.
وعلى الحكومة دراسة مزاج الأردنيين بصورة دقيقة بعيداً عن التطمينات من جهات مختلفة، فقانون ضريبة الدخل يجب أن يدرس بصورة كبيرة، وليس تقديمه على عجل، وللحديث عن قانون ضريبة الدخل بقية....
Email [email protected]